ناس الغيوان :قراءة في تجربة فنية

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

ناس الغيوان :قراءة في تجربة فنية

مُساهمة  Admin في الثلاثاء فبراير 21, 2012 4:39 am

ناس الغيوان


قراءة في تجربة فنية من الهامش






مقدمة :
لعل أولما يتبادر إلى ذهن القارئ وهو يتفحص ثنايا هذا البحث هو لماذا البحث في هذا المجال دون غيره ؟
تنسج الإجابة عن هذا التساؤل المشروع بطرح نفس السؤال بطريقة عكسية هو لما لا البحث في موضوع تجربة ناس الغيوان الغنائية، خصوصا إذا أخذنا بعين الاعتبار إلزامية البحوث في ختام السنوات الجامعية .
وللخوض أكثر في عمق هذا التساؤل يقودنا الحديث إلى ملاحظة تزكي هذا الطرح وهي نذرة الأبحاث وقلة الدراسات التي تناولت التجربة الغيوانية .
وإذا جازفنا بالقول بوجود بعض هذه الدراسات فإنها أحيانا تتناول جانبا واحدا عن ناس الغيوان وحينا آخر في تداخل مع قضايا أخرى بعيدة عن المقام الغيواني موضوع بحثنا .
إذن، فهذه النذرة والقلة ساهمت إلى حد ما في اختيار هذا الموضوع والبحث فيه غير أن الحافز الأول قبل كل شيء هو صدور ديوان "كلام الغيوان" الذي يعتبر بمثابة الشعلة التي أنارت كثيرا مما خفي. إضافة إلى هذا. تلك المقدمة التي دبج بها الأستاذ حسن نجمي هذا الديوان حيث يقول "إن هذا الديوان -بلا شك- سيفسح المجال للدراسات والأبحاث التي لم تكن دائما موفقة في الإمساك بقوة وتميز الأغنية الغيوانية، وإن كانت القراءات الجادة قد تعدرت في الماضي، فلربما كان ذلك بسبب من تعذر الوصول إلى النصوص الشعرية كاملة غير منقوصة وغير مشوهة، لذلك يمكن لهذا المثن الغنائي أن يساعد على إنجاز دراسات وقراءات تعيد الاعتبار من جديد لإحدى أبرز التجارب الغنائية والموسيقية في المغرب وخارجه"[1]
إن هذا الديوان ساهم في إماطة اللبس عن كثير من الكلمات في المثن الغيواني من جهة ومن جهة أخرى من شأنه أن يساعد الأجيال القادمة على إمكانية التمثل الجيد للتجربة الغيوانية وإعادة التماهي مع عناصرها الشعرية والموسيقية والادائية، وبهذا يكون هذا الديوان قد نقل الموروث الغيواني من النص الشفاهي إلى النص الكتابي قصد الوصول بسهولة ودقة إلى عمق ودلالة الكلمات العتيقة المتأثرة بالأصالة والتراث الشعبي في أعمق جذوره .

ويأتي هذا البحث المتواضع كنقطة من بحر قصد استجماع ما أمكن استجماعه بخصوص ناس الغيوان. وإذا كان الناس ألفوا في المقدمة الإشارة إلى عناصر البحث ومحتوياته. فإن بحثنا هذا مقسم إلى قسمين أو فصلين خصص الأول منه لإلقاء نظرة على التجربة الغيوانية من الخارج وهدفها الإحاطة بمحيط ناس الغيوان، فهي تعتبر مهمة للإحاطة بمفهوم الاسم والفضاء الذي تبلورت فيه فكرة ناس الغيوان دون إغفال اللحظة التاريخية لأنها تعتبر أمرا في غاية الأهمية لاعتبارات منطقية، زد على ذلك معرفة أفراد ناس الغيوان كذا الأشخاص الدين مروا من المجموعة والدين أتوا إليها فيما بعد وتركوا بصمات لم تكن لتنسى أو أن يطويها الزمان، ونختم الفصل الأول بعلاقة ناس الغيوان بأبي الفنون وكيف أمدهم بقوة هامة للوقوف على الخشبة .
أما الفصل الثاني فقد توقف على الغيوان من الداخل إن صح التعبير فهو إقتصر على أغاني ناس الغيوان من خلال جدورها الثراثية لنصل إلى عنصر مهم ألا وهو محاولة تصنيف هذه الأغاني بين تلك التي تستنهض الهمم القومية والوطنية ودات الهموم الإنسانية التي تنشد السلام والأمان والعدل والأمل … وتنبذ الحقد والكراهية وتلك التي حفلت بمشاهد تصويرية عن القهر والظلم خلال سنوات الجمر والرصاص …
وخثمنا هذا الفصل بأغاني هي اهذاءات إلى روح الراحلين بوجميع وباطما. وعموما هذه فقط محاولة لنفض الغبار وإبراز بعضا من معظم ما خفي من تاريخ ناس الغيوان ويبقى المستقبل مشرعا أبوابه لمواصلة البحث واستمرار الجهد للإحاطة بخفايا التجربة الغيوانية ..

1 - ناس الغيوان و التيارات الغنائية بالمغرب خلال الستينيات.
تقاسم المشهد الغنائي المغربي المعاصر خلال مرحلة نهاية الستينيات وبداية السبعينيات تيارات غنائية ثلاث :
أ - تيار شكل امتدادا وتمثلا للأغنية المشرقية وخاصة المصرية، التي غزت الساحة الوطنية، حيث اعتمد هذا التيار على استلهام روح الغناء المشرقي وتوظيف الخصوصية المغربية، واعتماد القصيدة والنهل من المواضيع الكلاسيكية، وقد مثل هذا التيار المرحوم أحمد البيضاوي …
ب - تيار استند على الإرث الغنائي الشعبي المغربي من خلال تناول مواضيع شعبية وبلغة دارجة مقتسبة من لغة الناس البسطاء. هذا التيار يتجسد في تجارب "الحسين السلاوي" و"بوشعيب البيضاوي" …
ج - تيار حاول مسك العصا من الوسط من خلال اعتماد لغة وسطى بين الفصحى والدارجة مع العمل على التنويع في المضامين لكن دون الاغراق في الشعبية، هذا الثيار يمثله رواد الأغنية المغربية مثل، "فويتح"،"المعطي بنقاسم"و"إبراهيم العلمي" …
ورغم إنجازات هذه الثيارات نوعيا وكميا فإن ذلك لم يقلص من هيمنة واكتساح الأغنية المشرقية ومن ثم كانت الحاجة إلى أغنية مغربية تنطلق من الإرث الغنائي الشعبي. ومن والآم وآمال الجماهير الشعبية القابعة في أسفل الدرك، وفي نفس الوقت استلهام انغام وإيقاعات التراث المغربي بكل أطيافه مع الاستفادة من منجزات الموسيقى العالمية.
… توالت السنوات إلى أن ظهرت "ناس الغيوان" وكانت بحق في مستوى هذه التطلعات والآمال… واستطاعت في فترة وجيزة أن تؤسس لنفسها جماهيرية أسطورية تعدت حدود الوطن إلى مختلف أرجاء العالم العربي، بل أنها تعتبر اليوم إحدى أهم الظواهر الغنائية في العالم المعاصر، وتوازيا مع المرحلة التاريخية التي انطلقوا من صلبها تركبت بنية المجموعة على شكل جماعي يلتزم كل فرد فيها بأداء دوره الفعال بحيث تصير الأغنية في بنائها الكامل مزيجا من بنيات متداخلة ومتشابكة ينسجها الغيوانيون أنفسهم من خلال أصواتهم المتبادلة في أبعادها النطقية والمنسجمة ضمن حدود الإيقاعات، وإدخال نمط المجموعة على المشهد الغنائي المغربي يعد في حينه ثورة حقيقية وتمردا واضحا على النظام الكلاسيكي المعتمد في المغرب الواحد .
تتخذ الأغنية الغيوانية طابعا شعبيا في شكلها العام من أجل خلق تواصل روحي مع الشعب واتخاذ هذا الطابع الشعبي يستلزم معرفة عميقة بطرق الإبداع والإبداعات الجماهيرية، لذا استمد "ناس الغيوان" أداة التواصل من اللغة اليومية المتداولة التي شكلوا بها صورا منتزعة من واقع الجماهير … وعلى مستوى الموسيقى الشعبية هناك اهتمام غيواني بالمنابع اللحنية القريبة من روح الشعب وإلى ذوقه من خلال الجمل المستمدة من التراث واعتماد آلات غنائية شعبية أصيلة كانت مغمورة وحقيرة .
2 - الاسم : ناس الغيوان .
المجموعة كانت موجودة قبل أن تسمى "ناس الغيوان" فهي ضمنيا ولدت في مسرح "الطيب الصديقي" لكن بدون اسم خلال هذه المرحلة، بعد أن خرجوا من المسرح تمت تسميتهم "الدراويش الجدد" مع الفنان علي القادري صهر الطيب الصديقي الذي كان يشتغل معه في إدارة المسرح البلدي آنذاك ومعه أيضا قدمت المجموعة أول حفل وكان ذلك بمطعم "نيوتليس" "NAUTILUS" بعين الدياب بالدار البيضاء ودائما تحت اسم "الدراويش الجدد" "DERWICHE NEW" فيما المرحلة الثالثة وهي المرحلة التي سيشتد فيها عود المجموعة مع الطيب الجامعي الذي أطلق على المجموعة "ناس الغيوان" حيث قال عمر السيد في أحد البرامج التلفزيونية أن "ناس العيوان تعني ناس المحبة ناس الخير ناس السلام"، وفي الموروث الشعبي الغيوان تعني الترجمة المطابقة لأهل التجوال التي تفسر بشكل إيجابي بتوابع المغامرة والتسكع والغناء والاحتفال … إذن ببساطة هذا التعريف الشعبي هو الأقرب إلى القصد من التسمية حيث "الغيوان" أو "الغيواني" ترادف الفنان المبدع الجوال بين الليالي الساهرة همه الوحيد إشباع رغباته الفنية وإبراز مؤهلاته الإبداعي

3 - الغيوان والمسرح :
لا يختلف اثنان في أن أفراد ناس الغيوان جاءوا من رحم المسرح، ففيه رست اولى خطواتهم في عالم الفن والإبداع، فقبل أن يلتف هؤلاء حول مجموعة الطيب الصديقي المسرحية فقد كانت لهم أعمال مسرحية سابقة - ربما أنها لم تكن ناضجة على المستوى المطلوب - فبوجميع أسس رفقة بعض أصدقائه مجموعة مسرحية تضم إلى جانب بوجميع واليحياوي ومطراز وعمر السيد، أناس آخرون. وكانت هذه الفرقة تسمى "رواد الخشبة" حيث أسندت رآستها إلى ادريس أوعلا. الفرقة قدمت آنذاك عروضا مسرحية منها "الحاجة كنزة" "باحمان"، أما من ناحية الكتابة فقد كان بوجميع يكتب للفرقة جل المسرحيات، وكلما احتاجوا للموسيقى في إحدى المسرحيات فقد كان العازف علال يعلى هو من يتكلف بالعزف.
أما العربي باطما فقبل أن يلتقي مع بوجميع وعمر السيد في مسرح الطيب الصديقي فقد كان ينشط هو الآخر ضمن فرقة "الهلال الذهبي" وهناك من يسميها فرقة "الإنارة الذهبية" جسد معها دور من مسرحية تسمى "ليلة عاشوراء"[2]، كما كان هو الآخر يكتب مسرحيات لهذه الفرقة التي قضى معها ثلاث سنوات من أهم المسرحيات "سيدنا الشيخ" التي حازت على جائزة آنذاك و"الخياط" "الخراز" "نفيسة" …
ولما سمع الطيب الصديقي الذي كان يهتم آنذاك بمسرح البساط بأن هناك بعض الشباب بالحي المحمدي يسيرون على نهج مسرح البساط (مسرح البساط مسرح يمزج بين الغناء والتمثيل) أبدى رغبته الأكيدة في ضم هؤلاء إلى فرقته، وللإشارة فالعازف علال كان قد التحق بفرقة الصديقي قبل ذلك، هذا الأخير الذي وظف إمكانيات الصورة والرمز والحركة والتراث بشكل جعله رائدا على المستوى العربي عامة وأتاح الفرصة لعدة مواهب لتبين عن كفاءتها داخل مجال مسرحي واسع يستعمل الفرجة الكاملة، بل أثر بشكل وبآخر في توجه بعض ممثليه نحو الغناء الشعبي وكان من نتائج ذلك التقاء بوجميع وعمر السيد والعربي باطما وكانت مسرحية "الحراز" أهم عمل مسرحي لهولاء مع الصديقي، وكل من استطاع استعادة شريط المسرحية المسجلة للتلفزيون المغربي سنة 1968 سيلاحظ بوادر الظاهرة عند هؤلاء الفتية الذين كانوا يتناوبون على

غناء القصيدة حربة واقساما والدين كانوا يضيفون في المسرحية مرددات شعبية ظاهرها ساخر وباطنها نقد اجتماعي قوي المفعول[3].
وهنا بدا التجاوب واضحا بين بوجميع وباطما وعمر السيد من خلال المقطوعات التي يؤدونها أثناء المسرحيات ولما أقام الصديقي ما يسمى بالمقهى المسرحي "CAFÉ THEATRE" أصبح هؤلاء يغنون فيها أغاني من إبداعاتهم وإبداعات أناس آخرين، حيث يحضر الناس بكل مكوناتهم عاديون، فنانون، مسرحيون … لمشاهدتهم .
فإلى جانب مسرحية "الحراز" شارك هؤلاء في مسرحيات مثل "سيدي عبد الرحمان المجدوب" "سيدي ياسين فالطريق" ثم أعمال أخرى .

4 - الفضاء والتاريخ :
إن من يريد الكتابة أو الحديث عن مجموعة ناس الغيوان لابد له من أن يطلع على الفضاء واللحظة التاريخية التي أنجبت هذه المجموعة، ولكي تكون لهذه الكتابة أو لهذا الحديث واقعية محترمة لابد من قراءة تستدعي بدورها أهمية دراسة وتحديد السياق الثقافي والاجتماعي والسياسي والتاريخي الذي ولدت فيه هذه المجموعة الغنائية ونظن -حسب ذ. حسن نجمي- ان التعرف على قيمة الدور البادخ لناس الغيوان لا يتحقق بدون تقديم اللحظة التاريخية المعقدة التي ظهرت فيها التجربة والانتباه إلى الفضاء الشعبي الذي تشكلت فيه العناصر التكوينية الحاسمة لهذه الحركة الفنية (الغنائية والموسيقية)"[4].
ناس الغيوان يؤرخ لظهورها زمانيا منذ نهاية الستينيات حين خرج كل من بوجميع، باطما وعمر السيد من فرقة الطيب الصديقي المسرحية بسبب مقال نشره الصديقي في إحدى الجرائد الفرنسية. " … خصوصا وأن المقال كان قدفا في حق كرامتنا فلقد قال المدير للصحفي أنا أعد الممثلين الذين في فرقتي كفئران للتجارب … أجرب فيهم مسرحي"[5]. هذا الكلام لم يرق هؤلاء الشباب فكانت النقطة التي أفاضت الكأس لتقوم الثورة، "لم تكن ثورة عنف وخصام بل كانت ثورة فن..حتى أني أقول كان اتحاد ممثلين ضد سنين عنف وخصام وسب… رحم الله بوجمعة فهو الذي أفتى علينا ذلك .. قال لنا :إن الخشبة هي ميداننا، ففيها سيكون اتحادنا وثورتنا وانتقامنا منه … ولنظهر بأننا لسنا فئران تجارب …"[6] هكذا خرج هؤلاء ليبحثوا عن زملاء لهم لإكمال الفرقة، وكان الحي المحمدي الفضاء الذي آوى المجموعة، هذا الحي المعروف بأزقته الضيقة وصخبه وبساطة أهله هو الذي أنجب من صلبه فرقة غنائية زعزعت أركان الأغنية المغربية وأثمرت أعمالا تعد اليوم بحق ذخائر فنية ناذرة. ولكي نقدم قراءة موفقة لابد من تسليط الضوء على الحي المحمدي كمكان ثم اللحظة التاريخية التي عرف بها آنذاك.


عموما شكل هذا الحي ملاذا آمنا لمجموعة من الأسر المغربية التي أنهكها بطش الاستعمار ومواليه، حيث نزحوا من مناطق مختلفة من المغرب، فالتقى الكل بالحي المحمدي وأحياء هامشية أخرى بالدار البيضاء. هذا الحي كان مقسما إلى دروب وتجمعات سكنية بسيطة واكواخ كدرب مولاي الشريف، بلوك السكك الحديدية، لاراد، لافارج، كريان الجديد، كريان سنطرال … هذه الأحياء قطن بها هؤلاء العمال، حيث جعلوا من الحي المحمدي ما يشبه "ساحة جامع الفناء" حيث كانوا عندما يحل المساء ويعودوا من تعب العمل نهارا يخرجون في مجموعات غنائية في مختلف الأحياء : فمثلا درب مولاي الشريف به قبائل صحراوية وخصوصا قبيلة دوبلال المعروفة برقصة الكدرة. حي السككيين يعرف رقصة أحواش، لافارج رقصة كناوة …
من المعروف أن الأحياء التي يسكنها عمال بسطاء تشكل غالبا الشرارة الأولى لكل الانتفاضات ضدا على القهر والاستغلال، ولأن الحي المحمدي واحدا من هذه الأحياء فطبيعي أن يكون واحدا من معاقل المقاومة ضد الاستعمار، إضافة إلى كونه مكان خصب لتفتق بوادر تكوين أحزاب سياسية ونقابات عمالية هذا كله سيؤدي إلى قيام ثورات عمالية يقودها أناس بسطاء وهذا ما تبلور في الأغنية الغيوانية وظل صداه ملازما لها، والحي المحمدي ليس إلا صورة مصغرة لما شهده المغرب كله حيث عرفت مرحلة ما بعد الاستقلال انقلابات على سدة الحكم وسيطرة أدناب الإستعمار على مقاليد السلطة مهمشين بذلك رجالات المقاومة وجيش التحرير بعدما كان الجميع يتشدق بأن الكعكة سيتم اقتسامها بالتساوي لكن العكس هو الذي حدث، إذ تميزت هذه الفترة بتصاعد وثيرة الاعتقالات التعسفية والتصفيات الجسدية التي طالت كل من ينادي بالتغيير لتلوح في الأفق بوادر تبدد كثير من الآمال والأوهام التي رافقت مرحلة ما بعد الاستقلال وهو ما صعد من حدة الصراعات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية … هذا على المستوى الداخلي. أما على المستوى الخارجي فيمكن تفريع هذه النقطة إلى جانبين : أولهما على المستوى العالمي حيث شكلت فترة نهاية الستينيات وبداية السبعينيات أوج التساؤل الكبير حول طبيعة ومسار ومآل تركيبة المجتمعات الرأسمالية المصنعة، فقد تكتفت عوامل تاريخية كبرى (نهاية الاستعمار العسكري إجمالا وأفول إمبراطوريات استعمارية، بروز أزمات سياسية واجتماعية واقتصادية …) لتتمخض عن طفو هائل لمشاعر وأحاسيس القلق والبؤس والتمرد، لقد أحست أجيال ما بعد الحرب العالمية الثانية أن آمالها أخذت تخيب وطموحاتها أخذت تتبدد … وان التقدم الصناعي والتكنولوجي … قد ثم حقا على حساب إنسانية الإنسان نفسه وهو ما عكسته ظواهر نظريات فلسفية وفكرية : كالاستلاب والتشيؤ والفردانية …كما اجتاحت أوربا وأمريكا موجات "الهيبين" بمختلف مظاهرها …
ثانيهما على الصعيد القومي فقد كانت هذه الفترة مرحلة الانهزام والفجيعة بامتياز! فقد زلزلت هزيمة 1967 العقول والعواطف في أمر نكسة واندحار عرفه العرب في تاريخهم الحديث زد على ذلك المجزرة الشنيعة صبرا وشاتيلا ثم انتفاضة أطفال الحج)ارة سنة 1988 . كما عرفت المرحلة تصاعد موجات النداء بالقومية العربية والوحدة العربية"[7].
وإجمالا هذه مجمل الأحداث والظروف البارزة التي تمخضت عنها تجارب موسيقية شكلت في عمقها تعبيرا عن واقع المجتمعات ورصدا لتحولاتها وفي هذا الإطار برزت مجموعة ناس الغيوان كواحدة من المجموعات الغنائية بل أولى المجموعات الغنائية الرائدة حيث استطاعت هذه التجربة وفي أعوام قليلة لكن بأغاني انجازات استثنائية أن توجد لنفسها قاعدة جماهرية عريضة تعدت حدود الوطن

5 - أفراد مجموعة ناس الغيوان :
التقت مصائر شبان من الحي المحمدي بالدار البيضاء بداية الستينيات بحكم الظروف المتشابهة في أغلب حالاتها وهي أنهم أبناء مهاجرين نزحوا من أنحاء مختلفة من المغرب واستقروا بالحي المحمدي، والذي شكل في تلك الفترة معقلا للعمال والمهاجرين والنازحين من القرى ومن مدن أخرى إما بسبب التهجير خلال الاستعمار أو بسبب البحث عن ما يسد رمق العيش، يقول عمر السيد "… قليل هم الدين يعرفون أنه قبل أن يكون أفراد ناس الغيوان أصدقاء ومنتمون إلى نفس الفضاء الاجتماعي والثقافي فقد كان آباءهم أصدقاء بحكم الانتماء إلى نفس الحي الذي كان يجمعهم وبحكم الظروف التي جعلتهم ينزحون من بلدانهم ويستقرون بالحي المحمدي، فأباؤنا كلهم من المهاجرين نزحوا إلى الدار البيضاء من مناطق مختلفة واستقروا بكريان سانطرال، والد بوجميع نزح من نواحي طاطا من جنوب المغرب، والد علال قدم من أولاد برحيل وكان ينتمي إلى فرقة هوارة المعروفة بإيقاعها الجميل، أما والد العربي باطما فقد جاء من منطقة مشرع بن عبو "دوار الشكة" أولاد البوزيري (نواحي سطات) والدي أنا -حسب عمر السيد- قدم من قبيلة إيدوسكا ناحية أيت باها بسوس"[8].
الملاحظ أن عمر السيد اقتصر هنا على بعض الأفراد دون غيرهم ولا يمكننا نحن هنا إغفالهم أو تناسيهم ببساطة لأنهم قدموا خدمات للظاهرة الغيوانية عموما وناس الغيوان على وجه الخصوص وهم مولاي عبد العزيز الطاهري الذي ينحدر من مدينة مراكش ومحمود السعدي ابن حي سوسيكا بالحي المحمدي، وعبد الرحمان قيروش الملقب ب "باكو" من مدينة الصويرة، غير أن هؤلاء منهم من عمر طويلا مع المجموعة ومنهم من غادرها مبكرا ليؤسس مجموعات غنائية على غرار ناس الغيوان كجيل جبلالة التي يعد كل من مولاي عبد العزيز الطاهري ومحمود السعدي من مؤسسيها الأوائل. ثم هناك رضوان ريفق الذي رافق المجموعة لبعض الوقت .
إن هذا الاختلاف في الأصول وهذه الجغرافيا المتباينة ساعدت إلى حد ما مجموعة ناس الغيوان على بلورة أغنية تتداخل فيها أصوات وإيقاعات مختلفة منها الإيقاع السوسي الأمازيغي، الإيقاع الكناوي، الصحراوي، العروبي، العيطة … هي إيقاعات تحملك مباشرة وتحيلك على
أصول أصحابها، وهو ما أعطى لأغنية ناس الغيوان تنوعا شعبيا وجمالية خاصة. الفضل فيه يرجع إلى التراث.
وللوقوف أكثر على التجربة الغيوانية لابد من الوقوف عند أفراد مجموعة ناس الغيوان لمعرفة كيف كونوا ناس الغيوان .
1- 5 - بوجميع :
إسمه احكور بوجمعة ولد بالبيضاء سنة 1944، شارك في فرقة هواة المسرح (رواد الخشبة) سنة 1963 وفي سنة 1968 إحترف التمثيل مع فرقة المسرح البلدي حيث شارك في عدة مسرحيات أهمها "الحراز" مع الطيب الصديقي إلى جانب كل من العربي باطما وعمر السيد وآخرين …
بوجميع أبرز مؤسسي مجموعة ناس الغيوان درس الابتدائي بمدرسة الاتحاد التي شيدها أهالي المحمدي في ذلك الإبان، بعد ذلك انتقل إلى ثانوية الأزهر وهي الثانوية الوحيدة التي كانت معربة في تلك الفترة وكان يدرس بها أساتذة مشرقيين ومن هؤلاء أخذ بوجميع الولع بالقضية الفلسطينية وتأثر بها أيما تأثر. بوجميع ينحدر من أسرة فقيرة كانت تقطن بالقرب من مكان يسمى آنذاك "الشانطي ديال الشابو" وهو مكان أشبه بساحة جامع الفنا، ففيه تلتقي مجموعة من الفرق الموسيقية كل يوم أحد. ومن هذه الفرق : فرقة أحواش، الكدرة، هوارة، عيساوة، أقلال … فيخرج الناس لمشاهدتها وكان بوجميع دائم الحضور إلى هذا المكان الذي يضم أيضا أصحاب "الحلاقي".
ومهما كتبنا أو تكلمنا عن بوجميع فإن أبلغ شهادة في حقه هي شهادة رفاق مسيرته الفنية وأصدقائه في الحياة اليومية .
أ - العربي باطما … لا أحد ينكر أن بوجميع كان فنانا وكذا صوته الرنان، ولو طال الزمان وعاش بوجميع لكان من الفنانين المرموقين … صورته المستعادة بالنسبة لي تأسف على فقدان صديق وثانيا لفقدان الساحة الفنية ببلادنا لإنسان كبوجميع .
ب - الحسين بنياز -باز-: يقول … علاقتي ببوجميع بدأت سنة 1969 في فرقة المسرح البلدي كان "حشومي" لا يتكلم كثيرا ولا يتشاجر، إنسان صبور متفتح مع الكل.
ج - عمر السيد : … إن مرحلة بوجميع تتميز بالصدق، كان أثناء وجوده فوق الخشبة إنسانا آخر يقول أشياء جديدة تحس به أنه يعبر عن صراعات داخلية وهذا ما يدل على عبقرية هذا الرجل وعمق شعبيته الأصلية .
د - مولاي عبد العزيز الطاهري : … بوجميع كان معروفا بجانبه الإبداعي. والمقاطع التي كان يتولى أذاءها فوق الخشبة والتي كان يجري حولها اتفاق من حيث المبدأ كانت تثبت أنه الشخص المؤهل بالفعل لذلك … بوجميع أحبه الجمهور كثيرا وأنا كواحد من الفرقة آنذاك كنت أشعر بقوة خارقة معي فوق الخشبة، وكان يطربني صوته[9].
… هذه عموما شهادات رفاق بوجميع وأصدقائه، شهادات تجمع وتلتقي كلها عند عبقرية هذا الفنان، وانضباطه الفني، لكن الموت لم يمهله طويلا إذ رحل عن المجموعة وهو في عز العطاء بعيد سنوات قليلة من تأسيس المجموعة وكان ذلك يوم 26 أكتوبر 1974 ولازالت وفاته تطرح أكثر من سؤال خصوصا وأن عائلته التي عاينت الوفاة تقول أنه مات مسموما، متأثرا بشيء أكله أو شربه وهو الأمر الذي شكل مادة لوسائل الإعلام الوطنية لطرح سؤال الوفاة حيث تكلمت بعضها عن الوفاة متسائلة عن أسبابها والشبهات التي تحوم حولها. وفي نفس الإطار دائما تطرقت القناة الثانية 2M في حلقة عن المرحوم بثت يوم 18/03/ 2005 عن هذه الوفاة أخذة رأي العائلة ورأي رفاقه وأصدقائه وكل من له علاقة ببوجميع، وبين رأي عائلته ورأي صديقه ورفيقه عمر السيد. هذا الأخير الذي يقول أن بوجميع كان يعاني من قرحة المعدة حيث بوجميع كان لا ينضبط لوصفات الأطباء ونصائحهم وهو ما زاد حالته سوءا وتدهورا .
وبين هذا وذاك تبقى الوفاة نهاية النهايات وخاتمة الخاتمات وسببها يضل لغزا محيرا - على الأقل للعائلة - يرجى حله إلى أجل مسمى أو غير مسمى …

2-5العربي باطما :
ولد بالبيضاء سنة 1947، وفي سنة 1964 عانق الكتابة حيث كتب ومثل وغنى في فرقة الهواة البيضاوية للمسرح وفي سنة 1969 عمل كممثل محترف بالمسرح البلدي، العربي شاعر زجال يمتاز بملكة شعرية رائعة من ميزاته أيضا ذلك الصوت الشاوي الشجي المتميز وذلك الشعر الرقيق والحضور الأخاد سواء على مستوى الأغنية أو التأليف المسرحي أو كممثل أدى أدوارا ستبقى راسخة في ذاكرة السينما المغربية
ازداد دور العربي باطما داخل مجموعة ناس الغيوان بعد وفاة بوجميع، إذ أصبح عراب المجموعة بدون منازع فهو الذي كان يكتب جل الأغاني لها. العربي كان كثيرا ما يركن إلى نفسه بعيدا عن
الناس ويرحل عميقا في دواخله يحب الوحدة ويعشقها وقد يحدث أحيانا أن يجلس في بيته مدة طويلة لا يغادره، وبتعدد مواهبه بين الموسيقى والمسرح والتمثيل والرياضة والسينما والكتابة حضي باطما بإعجاب وتقدير كبيرين من طرف الجمهور المغربي والعربي عامة كتب باطما سيرته الذاتية وهوعلى فراش الموت في سباق مع الزمن ينتظر أجله المحتوم فكان "الرحيل" الكتاب الأول ثم تلاه "الألم" ليشكلا سيرة عن العذاب والمتعة والموت …
يعترف باطما بكثير من المرارة أن الفن عذبه وأخذ منه كل حياته، وهي حقيقة لا تحتاج إلى تأكيد يقول "… لقد عذبني الفن طيلة حياتي، وكم من مرة تمنيت لو كنت عطارا أو خضارا أو جزارا فعلى الأقل ستكون حدة المشاكل أهون من مشاكل الفن …"
ويواصل أيضا "… لو كنت أعلم الغيب، لبقيت حارسا للدراجات، أو اشتغلت في السكك الحديدية مكان أبي … إنني أقول لنفسي الآن، أما كان الأجدر بي أن أبقى في باديتي الحبيبة لأموت هناك بعيدا عن الأضواء والشهرة ومحاصرة أعين الناس من كل جانب"[10].
فباطما رغم أنه مارس الكتابة والشعر وكتب سناريوهات مسرحيات وأفلام مثل: مسلسل "جنب البير" مسرحية "هاجوج وماجوج"،"36"،"العقل والسبورة" … فإنه لم يدعي يوما أنه كاتب[11].
ولم يسبق له أن انخرط في اتحاد للكتاب أو الشعراء أو ما شابه ذلك، إلا أن المرض لم يمهله كثيرا، إذ توفي يوم 7 فبراير سنة 1997 بسبب المرض الخبيث أو المسمى بالسرطان وهو مرض تأثر به العربي كثيرا وهو ما تجلى في بعض أغاني المجموعة التي أنتجتها في تلك الفترة ك "الهموم حرفتي" و"مكواني" …
هي أغاني عديدة تعبر عن نفسية العربي باطما المتدهورة بفعل المرض إلى درجة أصبح العربي لما يصبح يعتقد أن المساء سيكون حدا لحياته ولما يمسي يعتقد أن الصباح لن يدركه. مرت الآن ثمان سنوات على رحيل العربي، وتضل كتبه ومخطوطاته بل كل خزانته التي قالت وزارة الثقافة آنذاك أنها ستحولها إلى متحف يزوره الباحثون والمهتمون يظل هذا كله قرار ليس إلا .
53 - عمر السيد :
ازداد في الدار البيضاء سنة 1947 وفي سنة 1963 شارك مع جمعية المسرح -رواد الخشبة - ليلتحق سنة 1967 بالجوق الجهوي بالدار البيضاء وفي سنة 1968 عمل كممثل محترف بالمسرح البلدي وبالتلفزة المغربية، عمر ينحدر من أسرة فقيرة من أب عامل بسيط وأم بدوية، يعترف عمر أنه كان كسولا في كل المواد ماعدا الكيمياء فهو لم يستمر طويلا في الدراسة حيث ثم طرده لشغبه ولكونه كان لصا كذلك. بعد ذلك عمل حمالا في ميناء الدار البيضاء، ثم عمل في معمل "الليمون" لينتقل بعدها إلى مدرسة العهد الجديد كمدرس مكان أخيه محمد الذي غادر المدرسة وهنا مارس السيد الموسيقى والمسرح مع تلامذته .
بعد أن شب عود عمر السيد أسس رفقة أصدقائه مجموعة ناس الغيوان وكان عمر رئيس الفرقة بعد ذلك وهو امر ليس من السهل لأي كان أن يقوم به خصوصا وأن الفرقة تتكون من فنانين مجانين -جنون الفن- فهو كمن يروض السباع، مارس السيد إلى جانب الغناء المسرح والتمثيل السينمائي والتلفزيوني واعد وصلات إشهارية كما أشرف على إعداد ديوان يضم معظم أغاني ناس الغيوان وهو ديوان وثق كتابيا لا غان شفهية، كما أن أصالة وعتاقة بعض كلمات المعجم الغيواني التي لم تكن تخلوا من غرابة في السياقات اللغوية المغايرة للعصر الجديد لم تكن تسمح دائما لجميع المستمعين بادراك وفهم القصائد الغيوانية على الوجه الصحيح[12]. وترديد ألفاظ بعض الأغاني بشكل صحيح، فهذا الديوان من شأنه فك اللبس وإزالة الإشكال عن معظم الكلمات.

-5 4 - علال يعلى :
ولد علال سنة 1941 بالبيضاء وفي سنة 1957 عمل كعازف موسيقي مع بعض الأجواق البيضاوية. يعني احترف الموسيقى وسنه لا يتجاوز 16 سنة. في سنة 1960 لحن عدة مقاطع كانت تتخلل مسرحيات بعض فرق الهواة، ليلتحق بالمسرح البلدي سنة 1967 كموسيقي حيث ثم اتصاله هناك مع باقي أفراد المجموعة (عمر، العربي، بوجميع). يعترف عمر السيد بقوله "… فلما جاء علال إلى الفرقة نظمنا موسيقيا، هذا هو الواقع فاغلبنا لم يكن يعرف المبادئ الأولى للموسيقىحيث كنا نغني اليوم الأغنية في شكل لكنها تأخذ في اليوم الآخر شكلا آخر ومع مجيئه بدأ عملنا يأخذ شكله المنتظم[13].
علال رجل تأثر بالموسيقى مند صغر سنه يقول عنه رفيقه العربي باطما "… توجهت أنا وبوجمعة إلى دكان الأخ "يعلى علال" العازف على العود و"البانجو" والكمان والقانون والغيطة ولوتار والإيقاع، فهو وحده يعد جوقا يمشي على رجليه، وكان ولايزال يدرس الموسيقى في ذلك الدكان"[14].
ويعترف أصدقاؤه أنه عصامي، غريب الأطوار وصعب المزاج يركن إلى الصمت أكثر مما يتكلم. من ميزات علال الموسيقية أنه يلعب الإيقاع بالبانجو وهو ما يتيح له إمكانية إعادة الفرقة برمتها إلى الإيقاع إذا ما انزاحت عنه. "و(علال) سريع الحفظ وله قدرة خارقة على حفظ الموسيقى والألحان حيث أنه من الممكن أن يسمع مقطعا مرة واحدة ثم يعزفه ولا ينساه حتى وإن مر على ذلك زمن طويل …"[15]

ويشكل هؤلاء -بوجميع، باطما، عمر السيد وعلال- في نظر الكثيرين أعضاء ناس الغيوان لكن الحقيقة لا يمكن أن تحجبها الشمس أو كما يقول الغيوانيون أنفسهم : وشعاع الشمس ما تخزنو لسوار. فهناك أناس مروا من المجموعة كان لهم فضل كبير وكبير جدا في إشهارها واعلاء مكانتها، بل أعطوا كل ما في وسعهم من أجلها فمنهم من غادرها طواعية أو لسبب ما ليؤسس مجموعة أخرى كمحمود السعدي ومولاي عبد العزيز الطاهري فهم من مؤسسي فرقة "جيل جيلالة" ثم هناك رضوان ريفق الذي قضى مع المجموعة أيام قلائل بعد أن غادرها عبد الرحمان قيروش الملقب ب "باكو" أو "باكا" هذا الأخير الذي انفصل عن المجموعة أو انفصلت عنه المجموعة

-55 - عبد الرحمان باكو :
كان عضوا في مجموعة جيل جيلالة ثم انتقل بعدها إلى مجموعة ناس الغيوان بعد أن غادر الطاهري والسعدي ناس الغيوان نحو جيل جيلالة. قضى باكو مع ناس الغيوان قرابة 20 سنة كانت كلها عطاء وصبر ومثابرة …، فنان ينحدر من مدينة الصويرة فهو المتورع في عوالم كناوة عازف على آلة "السنتير" أو"الهجهوج" هذه الآلة التي شكلت حضورا قويا لدى المجموعة، وفي مجموعة من الأغاني، باكو لعب قبل ذلك مع فرق موسيقية عالمية كفرقة "ليفينك تياتر" "LEVING THEATRE" كما عزف في فرقة المغني الشهير "جيمي هاندريكس" كعازف على "الباس". لقد وظف أغاني عديدة على الطريقة الكناوية والإيقاع الكناوي : غير خدوني، النادي أنا، زاد الهم، الصدمة، واش جرى ليك … وأغاني أخرى اشتهرت بها ناس الغيوان لكنه غادر هذه الأخيرة وثم تعويضه أولا برضوان ريفق ثم حميد باطما لكن قيمة باكو الفنية لا يمكن تعويضها خصوصا وأن الرجل أصبح بعد وفاة بوجميع من الركائز الأساسية داخل المجموعة وتختلف الأقاويل حول أسباب هذا الانشقاق فعمر السيد يعزي التخلي عن عبد الرحمان باكو إلى كون هذا الأخير رفض أن "يخدم على باطما" ولم يراع ظروفه الصحية … أما باكو فيفند هذا القول ويؤكد أنه بعد مرض العربي باطما طلب من الفرقة أن تقف وقفة تأمل من جهة لانتظار إلى أين ستصل حالة العربي الصحية وعلى أثرها يتم تحديد مستقبل المجموعة يقول باكو "كان علينا أن نتوقف بعض الوقت والا نتمادى في المشاركة في السهرات وقد اقترحت أن نسجل شريطا جديدا بعد أن نتصل بالعربي ويمدنا بالنصوص اللازمة لذلك، فالرجل كان على فراش الموت لم يكن أي رجل فهو دينامو الغيوان وعليه يجب أن نتريث قبل أن نقدم على فعل أي شيء فهذه الغيوان ستفقد أهم أعمدتها -ماشي اللعب- لكن الإخوان رفضوا اقتراحي وفوجئت بالمجموعة تستمر من دوني ومن دون باطما"[16].
إن الملاحظ أنه لم تكن هناك خلافات في الرؤى الفنية لكنها مجرد خلافات قد تحصل بين أعضاء مجتمعين حول مشروع معين، إما لأسباب مادية أو غيرها لنستنتج أن المشكل أكبر من كل هذا الكلام فهو كامن في نفسية أحدهما: باكو أو المجموعة وبين طرح عمر السيد وتفنيد با
يبقى الجمهور أول الضحايا الذي لم يستفد من هذا الطرف أو ذاك وهو يرى بأم عينيه تجربة رائدة تخبو…
وصدق الشاعر قديما حين قال :

وظلم دوي القربى أشد مضاضة على المرء من وقع الحسام المهند

لأن القناتين التلفزيونيتن الأولى والثانية بين الفينة والأخرى تديع سهرات للمجموعة وتتخللها أحيانا حوارات ومناقشات بين أفراد المجموعة ثم أناس مهتمين باحثين في الظاهرة الغيوانية إضافة إلى برامج وثائقية خاصة عن المجموعة لكن خلال هذه الأحاديث والبرامج فكثيرا ما يتحاشى البعض الإشارة إلى أولئك الذين ساهموا في تأسيس المجموعة كما أنهم لم يقوموا بشيء لناس الغيوان وللأغنية الشعبية عموما.
وهو أمر مؤسف ويحز في النفس كثيرا فإغفال الحديث ولو بإشارة بسيطة عن باكو أحد الأهرامات التي أعطت الكثير للمجموعة وأفنت زهرة شبابها في البحث والتنقيب لصالح المجموعة، لا يخدم بأية حال مصداقية هذه الحوارات والبرامج، وقد يساهم في طمس بعض الحقائق من تاريخ هذه المجموعة .
1 - بيبليوغرافيا غيوانية :
سنحاول في هذه البيبليوغرافيا الإحاطة بكل "الريبرتوار" الغيواني أو ذلك الرصيد الغنائي الذي وقعته مجموعة ناس الغيوان منذ تأسيسها إلى اليوم .

الصينية - قطتي الصغيرة - جودي برضاك - الماضي فات - حدية - هولوني - واش حنا هما حنا - الحصادة - سبحان الله - يا صاح - يوم ملقاك - ماهموني - فين غادي بيا - الله يا مولانا - يا بني الإنسان - مزين مديحك - غير خدوني - حن واشفق - الشمس الطالعة - أنادي أنا - تاغنجة - نرجاك أنا - القسم - الرغاية - صبرا وشاتيلا - مهمومة - لهمامي - زاد الهم - مكواني - ضايعين - السيف البتار - لبطانة - الجمرة - المعنى - الصدمة - السلامة - رد بالك - آها فين - ندم - باسمك - احنا أولاد العالم - يا جمال - الأمة - لماذا يا كرامة - لسقام - الانتفاضة - السمطة - ناضمي - أنا ماعييت - اش جرى ليك - السايل - دلال - علي وخلي - يا من جانا - خضرة - الدم السايل - غادي فحالي - لهموم حرفتي - ف رحاب معاليك - ما يدوم حال - قالت - تعالى - علام القبيلة - دكة - هاجت الأحزان - علولة - الضر الواعر - شوفو لعجب - ما نكدانا - حوض النعناع - ناس المعنى - لمعيزة - سامحوني - خليني - حنين الروح - لكفيفة - نرجاوك على الدوام - شاب راسي - مردومة …
2 - بناء الأغنية الغيوانية :
على مستوى الإيقاع لا يختلف الإيقاع الذي وظفته ناس الغيوان في أغانيها عن الإيقاع السائد في التراث الشفوي والشعبي المغربي، إنه إيقاع معتاد يمتح قيمته الفنية من أصوله فهو يعتمد على البحر السريع والبسيط وأبعادهما فهذان الايقاعان متواثران في التراث الشعبي، فطبيعي أن تكون ناس الغيوان بعودتها إلى الأصول والجدور أن تعود إلى هذه الإيقاعات بكل حمولاتها، فأعادت الارتباط بها من خلال هذا التراث وهذا الايقاع بعيدا عن التنميط التعسفي للدوق والايقاع .
أما في بعض الأغاني وخاصة الصوفية منها، استفادت ناس الغيوان من إيقاع الحضرة ذلك الايقاع الذي يفضي إلى الحال أو الحضرة إن صح التعبير فهو حال منفصل عن طقوسه الأصلية يقع خارج الزاوية وفوق خشبة المسرح وتنتقل مضامينه من الصوفية إلى السياسة والنقد الاجتماعي…
وهذا التأرجح بين الرصيد الشعبي والحداثة أدى إلى تراكم المعني وكثافة الدلالة كما أنتج تركيبات إيقاعية ولحنية غير معهودة بواسطة آلات غريبة عن بعضها في المعتاد فنجد الكنبري الكناوي (الهجهوج / السنتير) يجاور الهزاز الحمدوشي وطبيلة عيساوة وبندير الأطلس ثم البانجو ذو الصوت المعدني المقلق والحاد[17].

2- 1 - الآلات الإيقاعية :
لا تقوم أية مجموعة غنائية ولا يستقيم غناؤها وفنها بالأساس ما لم توظف آلات موسيقية تضبط من خلالها الإيقاع وتسايره وهكذا كانت الغيوان، فبعد أن تكاملت عناصر المجموعة وقفت أمام اختيار الآلات "وكان علينا نحن في ذلك الوقت اختيار آلات شعبية مغربية"[18] .

لقد حارت المجموعة في أمرها كثيرا في مسألة اختيار الآلات فهو أمر صعب ومعقد جدا إنه سيف ذو حدين إما أن تجد نفسك على السكة وتكون على الطريق الصحيح وإما أن تجانب الصواب فتنتج الرذئ والرذاءة، لكن في النهاية انصب الاهتمام والاختيار على الآلات المغربية، فثم اختيار "الطبل"و"والهزاز"و"والبندير" إلى جانب آلات أخرى "فكرنا في أقرب آلة بغض النظر عن موطنها الأصلي، تقرب أصواتنا وعالمنا الغنائي"[19] .
وهكذا استعملت المجموعة "السنتير" الذي ينتمي إلى إفريقيا وكذلك "البوزق"، لقد أعطت ناس الغيوان قيمة لهاته الآلات التي كانت مغمورة "فهي آلات تخص البيوت وحفلات النساء كالحضارات فيما يتعلق بالطبلة أو في أغاني الملحون … أو السنتير - الذي يعد آلة كناوية - آلة يحملها الكناوي ويطوف بها في الأزقة مادا يده طالبا ريالا أو خبزا وكذلك "الهزاز" كنا لا نراه إلا فوق كتف شحات أو هداوي يطوف في الشوارع ويردد أغانيه … مادا يده للمارة … أما البندير فلقد كان من أحقر الآلات المغربية لأنه كان من ضمن آلات الشيخات كالطعريجة … وما أدراك بنظرة الجمهور للشيخات في ذلك الوقت"[20]، فهذه الآلات كان الجمهور ينظر إليها نظرة مغايرة فهي آلات مغمورة وليست كالكمان والعود … أي الآلات العصرية كما كانت تسمى في ذلك الزمن.
إن الجديد الذي برز مع ناس الغيوان ناهيك عن الموضوعات التي تطرقت إليها أعادت الاعتبار لهذه الآلات وأعادت توظيفها حتى صارت مهيمنة منذ ذلك الزمن فما أن تظهر مجموعة غنائية على نهج ناس الغيوان إلا ومعها هذه الآلات.
2-2 - الأداء : الغناء .
المجموعة ظهرت مكونة من أشخاص قليلون لا يتعدون الخمسة كإطار سهل القيادة وأكثر نجاعة من الفرقة الكبرى المتسمة بإنتفاء الحركية والحيوية وبعد أن كانت الفرقة لدى الاتجاه الأول الذي كان سائدا أو المسمى بالجوق تتكون من مجموعة كبيرة تردد اللازمة وشيخ وسطهم يردد تلك الأغاني التقليدية النمطية المتسمة بالسكون والتي عادة ما تدور حول الحب والشوق والحنين… أصبحت المجموعة تتكون من أشخاص يتناوبون على الغناء والاداء … فهم يوزعون فيما بينهم الأغنية حتى تصير كشكولا تتداخل فيها أصوات مختلفة بآهات قادمة من تخوم البوادي، فإذا كانت الأجواق تجلس على الخشبة مرددة تلك الأمداح وشكاوي الحب والحنين صارت الآن الأغنية مع ناس الغيوان بشكل جديد قوامه الزي أو شكل اللباس حيث صار للمجموعة زي موحد وبسيط من الأزياء المغربية التقليدية ثم الوقوف على الخشبة وهذا الأخير هو ما يضيف إلى الأغاني حركية ونضال مستمرين … كذلك الاعتماد على نصوص التراث بشتى صنوفه وبطريقة لا تبتعد عن اليومي والمعتاد، ولا تنساق في الآن نفسه مع اليومي اللغوي المهترئ المتآكل ومع الأشكال التعبيرية السابقة[21]، فكانت الكلمات العتيقة المستوحاة من التراث متنا ومسرحا لكل الأغاني فكانت "الصينية"، "الدوار"، "الكندرة"، "التليس"، "المهماز"، "النخلة"، "الخلخال"، "الكمية"، "الخيل"، "الكافلة"، "النوار" … عناصر الهوية المحلية التي غدتها نزعة الاستعادة والتذكر والحنين[22].
فإلى جانب الاشتغال على التراث وظفت المجموعة حكما وأمثالا شعبية أدت في غالب الأحيان وظيفة المثال والاستشهاد قصد الاعتبار والتدبر فمثلا في أغنية "لبطانة" :

حدبة في ظهر الجمل ولهاتـه تلهيــه[23]

3 - الموروث الشعبي في أغاني ناس الغيوان :
استثمرت ناس الغيوان الثرات الشفوي الشعبي واستفادت منه بشكل جيد في معظم أغانيها كما استفادت من اللغة اليومية المتداولة التي شكلت بها صورا منتزعة من واقع الجماهير … أما على مستوى الموسيقى الشعبية فهناك اهتمام غيواني بالمنابع اللحنية القريبة إلى روح الشعب ثم اهتمام بالتراث الشعبي بمختلف شعبه، إنها محاولة لتجديد الارتباط بالجدور ثم تجدير هذه الجدور. ففي وقت كان هذا التراث الشعبي مهمشا وفضاءات ممارسته محدودة كالبيوت والمناسبات العائلية (والحلاقي) … خرج مع ناس الغيوان إلى الخشبة وأصبح له جمهور واسع تعدى محيطه الذي نما فيه. فهذه العودة إلى التراث هي عودة إلى المنابع الأصلية وهكذا تماهت ناس الغيوان مع مآثر الشعب بشكل جديد وإيقاع جديد قوامه التحرر من التنميط التعسفي للدوق والتعددية الفنية .
وتبرز بشكل جلي في الأغنية الغيوانية هذه المآثر حيث نجد : العيطة، الملحون، إيقاع كناوة، أنغام الجنوب (الصحراء)، عبيدات الرمى، اللحن الشرقي …
وسنقدم هنا محاولة - مقاربة - لتبويب بعض الأغاني وفق مرجعياتها الشعبية التراثية :
العيطـة الملحـون
- الحصادة - الصينية - الشمس الطالعة - - الله يا مولانا - لهمامي - مزين
فين غادي بيا - جودي برضاك - الرغاية - مديحك - هولوني - حن واشفق -
غادي ف حالي - علام القبيلة - ندم - سبحان الله ..
السيف البتار - لسقام - أنا ما عييت - لمعيزة ..
إيقاع كناوة أنغام الجنوب (الصحراء)
- زاد الهم - الصدمة - اش جرى ليك أنادي أنا - ضايعين - حدية
- أولاد العالم - غير خدوني - لبطانة - "موال" - غير خدوني..
مهمومة ..
إيقاع عبيدات الرمى عيساوة (الحضرة) لحن الأغنية المشرقية
- دكة .. - السلامة.. - لماذا يا كرامة .. [24]

لقد أعادت ناس الغيوان مساءلة التراث قصد إنتاج نصوص وأغاني جديدة تتعلق بالمجتمع والقضايا المجمعية. اجتماعية، سياسية … ثم صياغة نصوص ملتزمة تتعدى الإطار المحلي. وهكذا انتجت المجموعة عدة أغاني في موضوعات مختلفة وبإيقاعات مختلفة. حيث تستمد الألحان من الملحون وقصائده (مثلا قصائد الشخصيات المعروفة في هذا المجال كسيدي قدور العلمي، سيدي عبد الرحمان المجدوب، الغرابلي، ومن الرصيد الشعبي للبادية ومن الغناء الكناوي والعيساوي والجلالي والحمدوشي وتقاليد العيطة وعبيدات الرمى وانغام الصحراء.. فهذه الألحان هي الأقرب إلى النفوس وبذلك هي السهلة إلى النفاد إلى دواخل الأفراد من جهة، ومن جهة أخرى مدى قدرتها وجاهزيتها لتحمل موضوعات في قضايا متعددة والتوظيف في مناحي مختلفة .
4 - الأغاني الصوفية (الدينية) :

لا تخلوا الأغنية الغيوانية من نفحات دينية / صوفية، مستحضرة بذلك قدرة الخالق وعضمته ومتضرعين إليه وراجين شفاعته وعطفه .

سبحان الحي الباقــي سبحانك يا اله جود أعلي


بك عمرت السواقـي ونحلتي في نواورك مرعيـة


ولا تجعلني شاقــي حرمة ودخيل ليك بالصوفية[25]

وبعد هذا الاستحضار والتضرع تحفل الأغنية بمساحة واسعة لخير خلق الله مستحضرين مقامه العالي وراغبين في زيارة قبره وزيارة كافة البقاع المقدسة الأخرى وطامعين في شفاعته يوم القيامة.

النبي يا جيرانــــي لو صبت الزاد من غدا نمشي له


نشاهد نور عيانـــي ونطوف بالكعبة نزورها ونلبي


يا زوار النبــــي لله ديوني نزور معاكــم[26]

وفي أغنية "ف رحاب معاليك" التي لا تختلف كثيرا عن أغنية "الله يا مولانا" في موضوعها :

بغيث نمشي دابـا نشوف مقامه سيدي


ونسلم يا بـابـا على المحراب ونـراه


بين الصفا والمروة نمشي ونجي يا سيدي


في اجبل عرفــة تما غرضي نلكاه[27]

في هذه المقاطع تعداد لمجموعة من البقاع المقدسة التي يطمح المرء إلى زيارتها والتبرك ببركاتها، الصفا والمروة، جبل عرفة، مقام النبي(ص)..



وتحفل أغاني أخرى بمقدمات دينية شأنها في ذلك شأن مجموعة من الأنواع الفلكلورية الشعبية التي تفتتح إيقاعاتها بمقدمات دينية وذلك اعتبارا لدورها أنها تفسح المجال للمبدع وتعطيه إمكانيات واسعة للتعبير وتجعله يدخل إلى صلب الموضوع دون مشقة أو عناء.

مفتاح الكلام الصلاة على نبينا


المصطفى يا خاتم الرســول


طه يا خاتم الرســــول


بعد الصلاة على نبينــــا


كون عويني ف ما نكـول[28]

5 - الأغاني القومية :
5-1 - فلسطين
كغيرها من المجموعات عملت ناس الغيوان بكل ما أوتيت على توظيف القضية الفلسطينية في أغانيها محاولة بذلك إبراز أن الفنان هو الآخر يحاول من جانبه لفت الانتباه إلى قضايا الأمة، لهذا غنت ناس الغيوان أغاني لأجل فلسطين ومن أجل فلسطين موظفة بذلك كل الأحداث التي مرت منها هذه البقعة من الأرض منذ النكبة مرورا بمجزرة "صبرا وشاتيلا" إلى الانتفاضة..
نبدأ بأغنية "القسم" فهي حافلة منذ بدايتها إلى نهايتها بمناشدة صريحة إلى دعم فلسطين ومساندة أهاليها. فهي بقعة عربية إسلامية لا يجوز نسيانها.
عتقوها أمي فلسطين لا تدوزوها دركوها جنة الخلد لا تفوتوها
حبوها كيف لحياة كاملة جعلوها
يـا حيفـا يـا يـافـا طول الغربة وطول العدوان[29]
وبعد أحداث المجزرة الشنيعة التي شنتها إسرائيل واتت على الأخضر واليابس حيث شردت الكثير وقتلت العديد جاءت أغنية "صبرا وشاتيلا" اسم على مسمى، عنوانا للأغنية ومسرحا للمدبحة التي رغم الدمار والخراب الذي خلفته وعدد القتلى والمشردين لم يحرك احذ ساكنا وينطق بكلمة حق على ما آل إليه الوضع، فما بالك بأن يندد أحد أو يشجب هذه الكارثة، بل صمت الجميع وكأنهم أمام منظر عادي لا يستحق الكلام .

الدنيا سكتـــات لعداء دارت ما بغـات


الدنيا سكتـــات صهيون دارت ما بغات


ف صبرا وشاتيــلا المجزرة لكبيــــرة


أطفال تدبحــات شيوخ وعيـــالات


السوايع وقفــات لرواح تحصـــرات


ف صبرا وشاتيــلا كثرات لقتيلـــة[30]


وبواسطة الانتفاضة الباسلة أرغمت المقاومة العدو على الجلوس إلى طاولة المفاوضات، وبالفعل جلس الطرفان لمرات عديدة منذ النكبة إلى الآن … ولكن كان الفشل مآل معظمها لأنه ليس كل من يجلس إلى طاولة المفاوضات بالضرورة داعية إلى السلام، كما أنه ليس كل من يحمل بندقية إرهابي … وبين هذا وذاك واصلت إسرائيل تعنتها وجبروتها مما دفع بالفلسطينين إلى الخروج في انتفاضة عارمة سنة 1988 ضمت كل شرائح المجتمع وسخرت لأجلها كل الإمكانيات كما تفاعل معها المسل

Admin
Admin

المساهمات : 24
تاريخ التسجيل : 21/02/2012

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://starziko.marocs.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

ناس الغيوان :قراءة في تجربة فنية

مُساهمة  Admin في الثلاثاء فبراير 21, 2012 4:40 am


5-2 - إفريقيا :
تمتد جدور المغرب بعيدا في إفريقيا باعتبار الجغرافيا والتاريخ المشترك في كثير من المجالات، ومعلوم أن تاريخ إفريقيا تاريخ صراعات وتطاحنات بكل تنوعاتها، صراعات على السلطة وصراعات على الثروات … حتى أضحت إفريقيا مطمحا لكل القوى الغربية، فأفلحت هذه الأخيرة في استعمارها ونهب خيراتها وكسرت أجنحة كل من ينادي بجلاء المستعمر وإرجاع الخيرات لأهاليها فقتلت بعظهم وسجنت البعض الآخر وطرف ثالث عذب. ناهيك عن العديد ممن طردوا وثم نفيهم خارج بلدانهم … هذا الواقع المرير حال أغنية "الدم السايل" التي تعتبر بحق وثيقة مهمة تصف ذلك الجرح العاري الذي لم يندمل بعد .
يا الدم السايل
يا الورد الذابل
يا أم البلدان … يا إفريقيا
واش هاد الحالة
نارك شعالة
يا شمس الأمل … يا إفريقيا

فيك الغرب ينهب
في خيرك يحطب
في أولادك يرهب
ب الجوع ولحزان … ياإفريقيا
الجوع ولحزان
ليام تنادي … يا إفريقيا
لمرض والعذاب
في عيون الصبيان … يا إفريقيا [40]
ومهما يكن من أمر فإن أي أرض مستعمرة لابد وأن ترجع لأهلها الأصليين ومالكيها القدامى. وهكذا عادت البلدان الإفريقية إلى أهاليها لتنهض بعد ذلك مشكلة الصراعات على السلطة حيث طفت على السطح تطاحنات ومواجهات عنيفة خلفت قتلى ومشردين ودمارا في البنيان، وإذا كانت هذه الأزمات يكون فيها الإنسان المصدر الأساس في افتعالها فإن هناك أزمات أخرى ناتجة عن غضب الطبيعة …
6 - الأغاني الوطنية :
الفن في خدمة الوطن، هكذا استشعرت ناس الغيوان الأمر. أنه حب الوطن حب متجدر في الأعماق لا يقدر بثمن ولا يمكن وصفه بأي حال من الأحوال، إنه حب بلاد أحبها أهلها فأحبتهم ومنحنهم الأمن والسلام ناهيك عن خيراتها … وهذا ما جعلهم يتوحدون للدفاع عن هيبتها وكرامتها زد على ذلك صد كل الأعداء والطامعين في النيل منها.
خضرة يا بلادي
حبك في لعماق … ماليه توصاف
يا جنة الله في أرضه

حده ف قده يا بلادي
وما يقضي كيد الطامعين ولو يجهدو
في كيدهم ينكدو يا بلادي
يا نجمة في سمايات العالم

حبك يا بـــلادي في لعماق راه طايف


وعليك أنــــادي يا مولات الخــالة


أولادك تنــــادي بحبك يا عز لوطان


السايح اللي يجي عادي عادي وما يعادي[41]

كل إنسان كيفما كان لا يرضى بديلا عن وطنه، بل يريده ملاذا آمنا مستقرا، وفي هذا الصدد سعت الغيوان إلى لفت الأنظار إلى بعض التغور المغربية التي لازالت محتلة وتعد اليوم من أقدم الأراضي المحتلة في العالم ويتعلق الامر بمدينتي سبتة ومليلية المدينتين اللتين تصفهما المجموعة بالمدن المسجونة اللتين طالت غربتهما كما طالت غربة بعض المدن الفلسطينية كحيفا ويافا.
يا سبتة ومليلية المدن المسجونـة يا حيفاء ويافا طول الغربة وطول العدوان[42]

7 - أغاني من الشجن والأسى :
من مخلفات المرض الخبيث الذي ألم بالمرحوم العربي باطما هو تلك النفسية المتدهورة لهذا الأخير حيث ظل ينتظر أجله المحتوم في كل لحظة وحين "أنا لم يبق لي الحق من الأمل" عبرات تكررت مرات عديدة في سيرته الذاتية الرحيل. فكان كل يوم يمر يعتبره العربي ربحا لوجوده وزيادة يوم من حياته. إن المرض وانتظار الموت والنفسية المتدهورة موضوعات تبلورت بأشكال متعددة في مجموعة من الأغاني التي أنتجتها المجموعة في هذه الفترة .

مكواني مكوانــي ما نضحك أنا بحال الناس


مكواني مكوانــي ما نضحك أنا مع الناس[43]

ففي أغنية "لهموم حرفتي" التي منها هاذين البيتين تبدو معالم المرض والحزن واضحة وهو مرض يصفه باطما بأن الطب عجز عن السيطرة عليه حتى أنه سلب منه تلك المهجة والابتسامة المعهودة منه وتركه وحيدا يصارع قدره بعيدا عن أعين الناس لكن رغم كل هذا العذاب لم يستطع المرض أن يثني العربي عن كتابة الأشعار وكل ما يخطر بباله:

لا طبيب داوا علتـــي كيف نساعف هاد البـــــاس


ولات الهموم حرفتـــي وتقادى جهدي يا النـــــاس


كيف اعمالي وحيلتــي مع السالب مهجتي زاد عليا نــار


هو يمحي ف لوحتـــي وأنا نتمنى ف راحة نكتب الاشعار[44]

لكن في النهاية يتضرع الفنان إلى الله طالبا منه الشفاء فهو القادر على معافاة عباده :

يا من بلاني بحركتي اطفي هاذ النار[45]

أما أغنية "غادي ف حالي" فهي تصور نفسية أكثر حزنا واسى نفسية متدهورة جدا مليئة بالأحزان والآلام حتى صار العيش في ظلها نكد ومر، فالعنوان "غادي ف حالي" فهو ذهاب إلى الموت ليس إلا، لأنها على الأقل استراحة أو كما يسميها العربي قتل المرض وإعلان نهايته .

نكول كلامــي وغاذي ف حالي


ف هاد الزمــان كلشي غضبـان


المرض ولحــزون وأنا مخــزون


ودموعي تنــزل جارية ويـدان


الصبر ف صدري جنوي مدفـون


الليل بنهـــار عيشة لـمرار[46]

8 - أغاني الهم والانساني :
الجمرة، باسمك، السيف البتار، السايل، أش جرى ليك، هولوني، قالت، يا بني الإنسان، مهمومة … أغاني عديدة وعديدة تصور بشكل فني هموم الإنسان. لأن الفن لم ينفصل أبدا عن إعادة إنتاج وصياغة الأحزان والأزمات الذاتية وتصويرها في قالب فني غنائي، وهذه الهموم لا تخص فردا أو جماعة بعينها وإنما هي إسقاطات على دواث جماعية إكتوت بنار هذه الأحزان، وناس الغيوان حاولت تجسيد هذه الهموم من خلال الفساد الإداري، الهجرة السرية، المفارقات الإجتماعية، التزوير، الفقر، الغربة والمتغربين، الهجرة … فعبر هذه المضامين استجابت المجموعة لرغبة وافق انتظار أوسع القطاعات التي سئمت أكوام الكلام الملحن المنمق حول الحب والهجر والهيام … والمتناولة غالبا برؤية تبسيطية وسادجة … لهذا عمدت المجموعة بذكاء إلى إلتقاط مختلف الهموم والقضايا الإنسانية والاجتماعية وطرحها برؤية إنسانية متقدمة وبواسطة كلام من صلب المجتمع وإيقاع من إنتاج هذا المجتمع، هذه الهموم وصلت أحيانا حد الاحتجاج والصراخ (قضايا الفقر، الظلم، التفاوتات الطبقية …) وهكذا عبرت أغاني هذه المجموعة بقوة وسهولة إلى أذهان وعقول آلاف بل ملايين المستمعين … حيث صارت آلاف الشفاه تدندن بأغان تعتبر اليوم وبكل امتياز تحفا غنائية حقيقية في الذاكرة الشعبية[47].
ويمكن أحيانا بسهولة رصد هذه الهموم في الأغنية الشعبية كما يمكن رصد التفاوتات الطبقية وكل المضامين الأخرى داخل الأغنية على عكس ذلك هناك مضامين تحتاج إلى إعادة النظر مرات ومرات عديدة إذاك يمكن الوصول إلى المعنى المبتغى وأحيانا لا يمكن أو يصعب الوصول إلى أي معنى .
8-1 - التفاوتات الطبقية :
عبر ثنائية الغني / الفقير تضعنا ناس الغيوان أمام صورة درامية تشخص واقع الغني / الفقير واقع يتجسد من خلال المفارقة الواضحة بين المسكن والمشرب، بين رجل يقطن العمارات ورجل متشرد بين الأكواخ، بين رجل يقطن "القيلا" وآخر لا مأوى له سوى "نوالة" يتستر فيها إلى أجل غير مسمى، أما الأكل فحدث ولا حرج ...
فعبر هذه الثنائية الغني / الفقير تتجسد هذه المفارقات والتناقضات وتعتبر أغنية "لكفيفة" واحدة من الأغاني التي جسدت هذه الطبقية والبون الشاسع بين أساليب العيش في مجتمع واحد، مجتمع يزداد فيه الغني عنا والفقير فقرا، ولا مجال فيه ليرتفق الغني بالفقير ويتقوى الفقير بالغني :

شي بالشوا فطوره وعشاه شي يصول بسيفه واممضاه


شي لكفيفية غالبـــاه الأرض فراشه والسما غطاه

عايم ف الغيس من كدامه لكفاه [48]
إن هذا المقطع يضعنا أمام عملة ذات وجهان : وجهها الأول الغني ونوعية طعامه ومأكله في تحد صارح لكل من يريد أن يتحداه، أما الوجه الثاني فهو يتضمن الفقير الذي لا يستطيع سد حاجياته الخاصة والضرورية من مأكل ومشرب أما السكن فليس له سوى الأرض فراشا والسماء غطاءا، في احالة إلى الفقر المدقع ونفس المعنى تحمله الصورة الأخيرة من المقطع "الغيس" فهي دليل على كثرة الهموم والمشاكل والأحزان ولا طاقة لهذا الفقير على حلها ومواجهتها.
وتأتي في نفس الإطار (الغني / الفقي) أغنية "علي وخلي" وهذه المرة بصورة أكثر مرارة تجسد حال الغني الذي يعتمد على أساليب خارج القانون من أجل الحصول على المال ثم الظلم الذي يمارسه على الفقير وسلب كل حقوقه :

تبني وتعلـــي وتمشي وتخلــي


غقلك مدنــي يا خايب الحالـة


تبني الحيطــان تشرب الكيسـان


تسكن ف الفيلا وغيرك ف نوالـة



تحكر الفقيــر وتكول التغييــر


وأنت شفيفيــر ما تسواش نعالـة


تزور لــوراق وتشهد بالنفــاق


تسـيء الآداب وتتكلم بجهالــة


أصلك بخيــل وشانك نعيـــل


عيشك قليــل يا عصيد النخالة[49]

وتأتي في نهاية الأغنية حكمة وعبرة تستلهم روحها من وقائع التاريخ الإنساني ومآل البشرية هدفها .

مالك اوا مالــك أش طرى وجرى لك


ضنيتي راسك خالد وانت للزوالـــة


ما دامت لعــاد ولا ورثها شــداد


آخرها لقبـــر وحر السوالــة[50]

وتصور ناس الغيوان الأغنياء بأسماء وصفات قوامها البخل والشح والطغيان والفساد، ففي أغنية "السمطة" يغدو الغني أحد الوحوش الضارية حيث أنيابه ممدودة لقضم كل من يأتي أمامه كما يعمد إلى نزع حقوق الآخرين، فالأغنية تعترف ضمنيا بوفرة الخيرات والثروات لكنها في أيدي جماعة من الوحوش تستغلها لوحدها مبعدة كل واحد ليس في مستواها المادي ومستواها المركزي، واستعمال الأنياب هنا له دلالة مهمة فهي كناية عن القتل والإعدام فكل من سولت له نفسه التفكير فقط في هذه الثروات والخيرات مآله الموت :

العمارات عاليــة لكواخ مردوميـن


لمسابح دافقـــة لفدادن محروقيـن


أرضي عاطيـــة كنوزها مفتوحيـن


لوحوش الضاريـة أنيابها ممدوديــن


شمسي ضاويــة لبيوت مغموقيــن


بحوري عامــرة وحنا جيعانيـــن


الدنيا غادية يا هلي ب حال المسكين[51]

إذن التفاوتات تتجلى بتمظهرات عديدة في الحياة لكنها تلازم الإنسان حتى بعد الموت، وهو في طريقه إلى مثواه الأخير ليوارى الثرى، فالغني ما أن يعلم الجميع بوفاته حتى يهرع الكل إلى بيته، فقهاء يقرءون عند رأسه وناس آخرون يهللون قرب جثته وآخرون أيضا يحصون أعماله في الدنيا وحشد هام يتبع جنازته بتكبير وتهليل، فقط لأنه غني شغل الدنيا بماله. أما المسكين إن بقي حيا أو توفي فهما سيان لا يذهب في جنازته إلا أهله ودويه فقط لأنه لا يملك في دنياه شيئا. هكذا تأتي إذن أغنية "السيف البتار" :


مات الغني يا حبابــي طلبة وعوام تابعـــاه


شي يقرا عند راســه شي شاد السبحة حـداه


تبعوا لكنازة يهللـــو وريح الوارث شــاداه


لاغاو لقسام بالجملــة كلها يلغي ب لغــاه


خلى الديور والـدواور خلي ليشاشرة معــاه


كان بايت ف التجـارة وظن الموت ناسيـــاه


كلها يكول حبيبــي وريح النفاق سابقــاه


راس ماله غير حرقة … حفرة … وشبر ما سواه


مات المسكين يا حبابـي حتى واحد ما مشى معاه


قرا طالب عند راســه بزر عليه ما قـــراه


خلى الميمة عميـــا على خياله حاضيــاه


كان مفرش لحصيــرة واليوم هي غطـــاه


لاغى الهموم بالجملــة والغني ساكن حـداه[52]


لتنتهي الأغنية مرة أخرى بحكمة هي أن الموت عدل، وهي تساوي بين الغني والفقير فهما سواسية في القبر لا تمايز إلا بالعمل الصالح :

خويا وظلام لقبـر مع لميسر ساواه[53]

ويمكن استجماع كل التمظهرات السالفة الذكر في الترسيمة التالية :


العمارات الكــوخ
القيــلا النـوالـة
الشــوا اكل بسيط
المــال الفقـــر

الغني الفقير

جنازة كبيرة جنازة صغيرة
فقهـــاء فقيه واحـد
عامة الناس أهله ودو
8-2 - الرشوة والفساد :
تفشت ظواهر عديدة في الإدارة المغربية بعد الاستقلال واستفحلت كثيرا في السنوات الأخيرة لتنتج عنه ظهور جمعيات ومنظمات لمحاربة هذه المظاهر الدنيئة ولعل أهمها الرشوة والفساد الإداري، فناس الغيوان قبل ظهور هذه الجمعيات كجمعية ترانسبارنسي مثلا أول من ندد بالرشوة فعبر اغان عديدة حوت في معضمها إشارات عن هذه الآفة .
ففي أغنية "باسمك" عبارات صريحة عن الرشوة والفساد :

تخلطات لشياه بلا نظام والذيب رعاها كثرات لهموم يا المولى والعين بكـات


الهم سيطر عل ليام وجاب خلاهــا الرشوة ولفساد ف الدنيا جات المحنات


الشر والتزوير … لحرام والقتل باهـا عمات لقلوب يا المولى مشات الحياة[54]

ناس الغيوان في حديثها عن الرشوة والفساد والتزوير لم تتكلم فقط عن الموظفين الصغار الذين يقومون بهذه الأعمال بل تجاوزتهم إلى الحكام ودوي النفود وصناع القرارات فهم أيضا لهم نصيبهم من هذه الأعمال حيث جاء في أغنية "سبحان الله" :

جور الحكام زادنا تعب وقسـوة لا راحة ولعباد ف نكد وتعسيــف


والحاكم كايصول كايقبض الرشوة والشاهد كايدير ف الشهادة تحريف[55]

ما أن خرج الاستعمار من المغرب حتى استولت طبقة / نخبة على المناصب والثروات والخيرات وهمشت أبطال المقامة وجيش التحرير وعملت على اعتقال وقتل كل من يطالب بالتغيير وكل من يطالب بحقه. وقامت بكل ما في وسعها على إفساد الإدارة ونهب الخيرات فجاءت أغنية "المعنى" حاملة لهذا التنديد :

طبقة رسات راسها فوك الطبقـات حطت وفرخت جرادها تما بقات[56]







وارتباطا دائما بالفساد تحمل أغنية "الجمرة" مسؤولية الفساد إلى الطبقة الحاكمة :

عم الفساد يا لعباد الناس خوتنا فضحونـا


ب لجمر الوكـاد وسط صدورنا وشمونا[57]

يمكن القول أن الرشوة والفساد والتزوير مواضيع تجلت بكثرة وفي مواقع مختلفة في الأغاني الغيوانية ويمكننا ختم هذا الباب بمقطع من أغنية "دلال" هذا المقطع يحمل إشارة واضحة إلى تلك الطبقة التي رست فوق الطبقات فقامت بالنهب والسلب والقتل وأقامت مشاريع لصالحها على حساب الضعفاء والمستضعفين :

كترتوا رشاوي ايا قوم الطغيان بنيتو الخاوي ف زمان الغفلـة[58]

8-3 - الهجرة ومعاناة الاغتراب :
بعد أن ضاقت كل السبل بمجموعة من الشباب بسبب قلة فرص العمل في هذا الوطن لم يجد بعضهم سبيلا غير الهجرة إلى ما وراء البحر، لكنها للأسف هجرة غير محسوبة العواقب أضف إلى ذلك أنها تتخذ أسلوبا انتحاريا في غالب الأحيان إذ يجتمع العشرات على مركب صغير ثم يقتحمون البحر في تحد ضنا منهم أن عبوره إلى الضفة الأخرى أسهل مما يتصور الكثيرون لكن في الغالب تكون الكارثة اكبر مما في الحسبان، إذ تسلم أرواح الكثيرون إلى بارئها ويكون الحوت بشتى أنواعه في عيد غير منتظر يقتات من جثث هؤلاء الضحايا، فمنهم من ترك الأهل والاخوة في حيرة لا يعلمون شيئا عن مصير إبنهم، ومنهم من ترك التكالى بدون معين ومنهم من نجا من الموت فاستفاد من هول الصدمة ومنهم من نجا من الموت لكن تحدوه رغبة معاودة اللعبة من جديد؟!!! فهل ستنجح المحاولة ثانية ؟؟ ناس الغيوان أشارت إلى هول المشكلة التي تفاقمت كثيرا في السنين الأخيرة فكانت أغنية "السمطة" حاوية لهذا المشكل ومذكرة بالعواقب الوخيمة التي تتمخض عنه .
يأتي مطلع الأغنية كصرخة ومرارة لمشكل لابد وأن تتكثف الجهود لحله وإيجاد طرق كفيلة بمعالجته لتأتي بعد ذلك تفاصيل المشكلة منذ بداية المغامرة إلى النهاية، طبعا النهاية المؤلمة في الغالب حيث لا المال يرجع إلى أصحابه، ولاهم وصلوا إلى مبتغاهم ولا الروح بقيت في جسدها إلى حين انقضاء أجلها :
فتجة ف كلبي ب دكة صعيبة
ولا نحكي على حبابي … حالي با مكواه
خداتهم الغربة ف ضارة وسبيبة
صار لبحر جبانة والحوت جاه عشاه
الشط بعيد … والبوغاز راه فين راه
فين غادي …؟؟
الدراع عيا …ولمواج كليبة
لهواعة خاد الثمن ودا المجداف معاه
المركب يفرق … الموت قريبة
واش قبلها
شهدو احبابي بالله [59]
أما إذا نحج البعض في الهجرة إلى خارج الوطن، وحصل على مبتغاه فإنه لم ولن ينحج في تخطي معاناة الغربة والاغتراب، فذلك الشوق والحنين إلى الأهل والوطن والتراب لا يفارق المخيلة، ومهما طالت الغربة فذكريات البلد بحلوها ومرها بإيجابياتها وسلبيتها تمر أمام الذاكرة كل حين في استرجاع وجداني لكل الظروف … وكغيرها من المجموعات رددت الغيوان باسم المغتربين أغنيتها الحزينة "فين غادي بيا خويا" المليئة بالحنين إلى الأرض وللتربة وللخيل والقصبة والموسم وللبندير … وغيرها من الصور التي يمثلها الوطن[60] ومن مقاطعها :

فين غادي بيا خويا فين غادي بيـــا


لا تلومونا ف الغربة يا هاد النـــاس


لا تلومونا ف الغربة وليعة الغربــــة


أنا ما نسيت البندير أنا ما نسيت الكصبة


أنا ما نسيت الموسم والخيل سربة سربـة


أنا ما نسيت لعشيرة ولا كمح الرحبة[61]

وبنبرة من الحب ترجو المجموعة الوصال وتنبد الفراق والبعاد حيث جاءت أغنية "نرجاوك عل الدوام" كلها تمني ورجاء من أجل القرب والوصال، فالعنوان لوحده خير دليل على هذا الكلام وحتى ان حكمت الأقدار والظروف على الإنسان بالغربة فعلى الأقل أن يتمكن المرء من التواصل كي لا تطول الغربة لأنها ببساطة إن طالت تتحول إلى فراق ووداع وقطع للأوصال والأرحام :

زورنا يا حبيب الخاطر زورنــا ونزوروك


لا تطول غيبـــة نرجاوك على الدوام


ما يحلى لي يوم غبتي ولا تحلى لي سوايعـه




تحرار النعمة يا ويحي ما يحلى لي كـــلام


الناس بحبابها تكـون هي ديما ف شان عـالي


ونا يا سيدي فراقـك عنو ما كالو مقــال


لو كان الجهد جهدي نعرف أنا مانديـــر


نضرم النار ف الفراق نرمي رماده ف صحاري


نلاكي كلوب المحبـة نلاكيها على الـدوام[62]

هكذا يبدو السؤال عن الأهل والأصحاب والأحباب ليدوم التواصل والقرب، وهكذا وظفت الغيوان هذه القيمة في اغان عديدة رجاء وثمن للقرب والوصول .
9 - أغاني زمن غطرسة القوة :
لا يختلف اثنان في أن سنوات ما بعد الاستقلال في المغرب كانت سنوات خاصة، سنوات عجاف إن صح التعبير، كثرت فيها الاعتقالات والاعدامات وغيرها من وسائل الرهب والترهيب، فكان كل من يدعوا إلى تنظيم مظاهرة أو مسيرة يختطف ومن ساهم في عمل يتوخى من ورائه المطالبة بالإصلاح والتغيير يسجن ويعذب شر عذاب، حتى الوطنيين الذين جاهدوا بأموالهم وأنفسهم من أجل استقلال الوطن همشوا ومن طالب منهم بالإصلاح ليسجنن أو عذاب أليم فكانت قوى البطش والغدر التي فتحت فمها على البلاد الآمر والناهي وما عداها إلى الجحيم …
نعم نظمت حملات تسببت في كثير من النوازل والأزمات والكوارث والمحن وكشفت بجلاء عن نوايا وأبعاد ومخططات القوى الظلامية حيث امتدت يد الغدر إلى قيادات المقاومة وحيش التحرير فأودعت السجن بعض رجالاتها الأفذاد الذين أبلوا البلاء الحسن من أجل هذا الوطن ودوخوا الاستعمار بكفاحاتهم الرائعة وبطولاتهم الناذرة فقبل أن تنظم هيئة الإنصاف والمصالحة جلسات الاستماع حيث أكد حينها الكثيرون بأن أول الانتهاكات طالت الأحرار الذين شاركوا في تحرير البلاد صرح مجاديب الغيوان في أغنية "سامحوني" :
دوم يا كلام الحق دوم
من الظهر طعنتو لحرار
واللي جرى راكم عارفينو
ارميتونا ف الظلام
ها حنا يا سيدي ف ردهاته[63]
كثيرة هي الأغاني الغيوانية التي فاحت منها نفحات عن سنوات الظلم والقهر والاعتقالات التعسفية فالناس البسطاء والعاديون نالوا حظهم من الاعتقالات والاعدامات فما أن يطالب أحدهم أو يشارك في خلية نظالية من أجل التغيير حتى يودع السجن بتهم أو بدون تهم بمحاكمة أو بدون محاكمة أحيانا أخرى كما جاء في رائعة "زاد الهم" :



ندمني غير المسجون بلا عدر كقر لغدر قاومه ب لقساوة[64]


وفي أغنية "الصدمة" إشارة واضحة إلى تلك الأغلال والقيود التي طالت وكبلت أيادي الكثيرين :


هذا بالغلال مقيـد واش انتما بنـادم[65]

وبصراحة فائقة تحيل أغنية "ما هموني" إلى اختفاء عدد من المعتقلين السياسين في مغرب السبعينيات … وللغرض ذاته وضف المخرج المغربي عبد الحي العراقي لازمتها في فيلمه "منى صابر" الذي يتحدث عن الموضوع نفسه :

ما هموني غير الرجال إلى ضاعــو لحيوط إلى رابو كلها يبنــــي دار


ما هولوني غير الصبيان مرضو جاعو والغرس إلى سقط نوضو نغرسوا أشجار


والحوض إلى جف واسود نعناعـو الصغير ف رجالنا يجنيه فاكية وثمار[66]

فما يحز في النفس هو هلاك الرجال الأفذاذ، فإن ذهبوا وقضي عليهم لن يعودوا أما ممتلكاتهم إن ذهبت فستعوض بأحسن منها، فالدور إن هدمت ستبنى دور أخرى أحسن منها والبساتين إن أحرقت ستغرس بساتين أخرى أجود منها والحيوانات من بهائم وغنم أن قتلت وقضت ستعوض بأخرى. وحدهم الرجال إن ماتوا لن يعوضوا … ويأتي بعد هذه الأبيات بيت يقول عنه الأستاذ الباحث خالد الحضري :"بيت رائع مشتق من صميم البيئة البدوية والذي لولا تفسير الفنان عمر السيد - يقول الخضري - ما أدركت فحواه شخصيا ويواصل القول … رغم ترديدي للأغنية سواء بمفردي أو بمعية مجموعة "حال الغيوان" بالجديدة لم أدرك معناه، يقول البيت:

كثر ولعصيدتهم اللبن وماعــو وشكون يكول جدة سفت يا حضار[67]

… ومعناه أن المسؤولين اغدقوا كثيرا من اللبن على طعام "العصيدة" وهو طحين مقوي يصنع من القمح ويخلط عادة باللبن أو بزيت الزيتون فطغى السائل على الجامد لحد الميوعة للتمويه … بينما
الحقيقة أن تلك "العصيدة" أو لب القمح إنما استولت عليها والتهمتها جافة وبغير سائل (سفتها

الجدة) كبيرة البيت التي غالبا ما توكل إليها مهمة حراسة خزنة المؤونة … فالكل يعلم مصدرالاختلاس وسبب الميوعة لكن لا أحد يجرؤ على التبليغ وويل لمن يشير بأصابع الاتهام إلى كبيرة / كبير القوم : من حرك عينو فراسو مدوه للجزار[68]
فكل من تجرأ على الإشارة باصبع الاتهام إلى المسؤولين عن الاختلاس والفساد فجزأه السجن والاعتقال وتارة الإعدام فكل هذه الإشارات رموز ذكية حين احالتها إلى الوضع الاجتماعي والسياسي المغربي لما بعد الاستقلال[69].
وبصرخة مدوية أيضا تعلن المجموعة كما أعلن العديد من المناضلين أنهم سائرون على خطى أسلافهم ولن يركنوا إلى الصمت والاستكانة كما أراد منهم المسؤولون فهم سيتبعون إخوانهم وسيقتفون آثارهم، فكانت أغنية "غير خدوني" شرارة لفضح الترهيب والتعذيب والتقتيل وتأكيد للاستمرار في النضال رغم القيود وصفائح الحداد المحمرة بالنار وهذا ما هو إلا دليل من أدلة كثيرة تحيل إلى تنوع أساليب التعذيب :

غير خدونـــــي لله خدونـــــــي


روحي نهيب لفداكـم غير خدونــــــي


معدوم ولفـــــي لله دلونـــــــي


ما صابر عل اللي مشاو أنا ما صابـــــــر


صفايح ف يدين حداد أنا ما صابـــــــر


كلبي جابين يدين حداد حداد ما يحن ما يشفق عليه


ينزل ضربة عل الضربة والى برد زاد النار عليــه


سيل سيل يا لدم المغـــدور


تراب الأرض محال ينســاك


وحوش الغابة ترهبات منـك


السم ف صحاري جافل منك


دم المغدور ما نسلم فيــه



حق المظلوم أنا ما نــدوزه


يا طاعني من خلفي … موت وحدة هـي


غير خدونـــي … لله غير خدوني[70]

وتشير رائعة "يا جمال" إلى الغطرسة التي تتعرض لها الرعية ويبدو معنى هذه الأغنية شائعا في الأوساط الشعبية وببساطة "الجمال" وهو صاحب الجمال أو راعي الجمال بينما الجمال تحيل إلى الرعية، فالراعي حاول أن يدوس على الكل بجماله أو من تجرأ على الكلام وطرح السؤال فيرمى الغبار في عينيه إن لم تعصب عينيه ويرمى به في غياهب السجون وهذه إشارة أخرى إلى القوة التي تستعمل ضده، إذن أغنية "يا جمال" تشير إلى الغطرسة التي ينهجها الكبار ضد الصغار غطرسة تتعدد مظاهرها وتتوحد أهدافها :

يا جمال رد جمالك علينــــا راه حنا أولاد ناس وف العز تربينــا


عيونا على شوفة لمليـــح داو وأنت ماشي زين لا ترمي لغبار ف عينيا


كلوبنا بكلمة المحبـــة دواو وأنت كلبك حجر … نوض خطينـا

لبسنا الحرير ورميناه كلمنا الحق وسمعناه
شفنا الزين ودحيناه عرفنا لهوى وما بغيناه
وتجي انت يا جمـال وتدوز حمالك علينـا
يا جمال رد جمالك علينا[71]
هذه فقط إشارات ومقتطفات من نماذج كثيرة ومتنوعة في الريبرتوار الغيواني تحيل على سنوات الجمر والاعتقالات التعسفية، فلا بأس من أن نديلها بدعوة غيوانية نابعة من الأعماق لإطلاق سراح كل المعتقلين وفتح السجون حتى لا يبقى أي مظلوم، فجاءت "السمطة" حاملة لهذا النداء :
والسجانة حلو ياوين بيبان لسجان والسجانة شعلو قنديل ويبان النــوران
والسجانة يخرج الولد من بين لكفان تهبى لجمار وتزول عليه من صهود النيران
والظلمانة يكفى تعديب ل هاذ العالم يكفى هماج راه حنا أولاد العالـــم[72]

10 - ساعة الخلاص … آتية :
لكل مشكل حل ولكل معانات نهاية، هكذا اعتقدت الغيوان بعد أن عاشوا وتتبعوا كسائر المواطنين ظروف الاعتقالات والتعذيب خلال سنوات الرصاص التي تفشت في الأذهان فظلت تازمامارت، قلعة مكونة ، معتقل أكدز وغيرها من المعتقلات السرية التي لم يكن يعرفها أحد من قبل إلا أولئك الذين عذبوا وسجنوا فيها أو المسؤولون عن التعذيب فيها. ظلت هذه المعتقلات السرية رمزا للتعذيب وتذكيرا بأيام الظلم والقهر. هكذا آمنت الغيوان بأنه بعد كل هذا العذاب سيأتي يوم يحصل فيه الجميع على الحرية والحق في الكلام أو في بعض الأحيان الإشارة بأصبع الإتهام إلى الجلادين وهكذا تضمنت عدة أغاني أبيات تنشد النور بعد كل ذلك الظلام. والأمان بعد كل تلك الملاحقات وبأن للظلم والقهر نهاية[73] .
شعاع الشمس ما تخزنو لسوار
أغنيـة "ماهموني"[74]
وفي ظل الوضع الراهن الذي يميزه الظلام الحالك الذي لا تبرز معالمه تنبعث صرخات وآهات حزينة تتمنى وترجوا حياة أسعد وأرحب ووضعا يتبدد فيه الظلام ليحل محله النور وفي هذا الصدد تتوالى أغان متعددة ومختلفة لكنها تتوحد في تضمين هذه الأماني :
امتى يا هلي يبان ضونا قنديل
مضوي على كل مكان شاد ليه السلام
تزهى لوقات … [75]
من أغنية "لقسام" أما أغنية "الأمة" فتصر على أن الفرح والسرور والمحبة هم القيم الدائمة أما الظلام والقحط … فإن لهم نهاية :

أيام الظلام قصيـرة إلى بان البرق يلالــي


أيام الشدة تــزول ويجي نور الفرح يلالي[76]


أما أغنية "يا صاح" فيأتي مطلعها كالآتي :
والى تفاجى الضباب الضاير بنا يا هلي
وصلاح الوقت …
وسار علامنا واقف على دربنا يا هلي
يوم نصبغو دارنا ب البيض[77]
وفي رائعة "يا جمال" التي تتمحور حول الغطرسة والبطش والجبروت فتنتهي هي الأخرى ببيت تأكيدي على أن الحالة الآنية المتسمة بالطغيان والترهيب والتعذيب لابد لها من نهاية لابد لها أن تتغير فيأتي البيت كما يلي :

لكن الوعد يروف يا كلبي تصفى د الحالة يبان البرهان ف الخاين يولي ف دلالة[78]

وعموما هذه فقط نماذج من أمثلة عديدة في هذا الباب فهي تأتي في صور مختلفة ومتنوعة حاولنا هنا الاقتصار على بعضها فقط لتبيان الغاية والهدف .
11 - أغاني مهداة إلى الراحلين :
… بعد الموت المفاجئ لبوجميع ليلة السبت 26 اكتوبر 1974 تأثرت المجموعة بهذا المصاب خصوصا وأن بوجميع في تلك الفترة كان ربان سفينة الغيوان بدون منازع - بشهادة رفاقه - يقول عنه عمر السيد بعد الوفاة "… بوجميع ركيزة أساسية في تجربة فنية خرجت بالكاد من مهدها" ويتساءل أيضا كيف ستستمر المجموعة من دونه ؟ وأيضا ما هو مستقبل المجموعة ؟
وفي نفس المضمار يسير رفيقه الآخر العربي باطما إذ أعلن صراحة إبان وفاة بوجميع عن وفاة ناس الغيوان خلال حوار بينه وبين عمر السيد، ومما جاء في هذا الحوار نورده بلغته ليكون أبلغ وأفيد :
العربي باطما : با عمر، ناس الغيوان مشات
عمر السيد : اسمع أبا عروب، كم من فرد كان يشكل المجموعة ؟
باطما : خمسة أفراد
عمر السيد : الغيوان باقية وفيها ربعة ديال الناس مشى واحد غالي بزاف الله يرحمو
لكن دابا غادين نتعاملوا عليك وغادي تخرج ما عندك ونمشو وخا
عرجين حتى نوصلو. [79]
أما رفيقه الآخر عبد الرحمان باكو فتوقع أن تفقد المجموعة توازنها بوفاة بوجميع حيث يقول "…ذاك الرحيل الذي نزل كصاعقة كادت أن تذهب بتوازن الفرقة وكيف لا وقد رحل عنها أهم وأقوى عنصر فيها"[80].
إذن من خلال هذه الشهادات نستخلص قيمة بوجميع الفنية ومدى تأثر ناس الغيوان بوفاته، وهكذا انتجت المجموعة شريط غنائي بعد هذا المصاب يتضمن أغنية مهداة إلى روح الفقيد وبالطبع هي أغنية مؤترة إنها "النادي أنا" حيث يأتي مطلعها صريحا وواضحا :

من المحال أكلبي باش تنساه من المحال أكلبي وأنت تهواه[81]




لتنتهي الأغنية بأبيات لا تقل أهمية ولا تقل تعبيرا عن صدمة الوفاة لتظل صورة بوجميع منقوشة ومنحوتة في الوجدان وحاضرة كل لحظة وحين .

خيي مات البـــــارح واليوم جات اخبـــــــاره


خيي مات مضيـــــوم ناسي أهله ووكـــــــاره


لا لا خيي مازلت معايـــا ولا أنا مصدق خيي مازلت حدايا[82]

وفي نفس الأغنية يعترف باطما في موالها بصريح العبارة أن رفيقه الأكثر إبداعا وحيوية بل "دينامو" ناس الغيوان مات وأن مهمة صعبة تنتظره .

الحباب كاع كفـات بغيث فريد والعمدة عليا[83]

فجميع الأصحاب والرفاق انقطعت أخبارهم ووصدت اوصلهم. فكلمة "كفات" تؤكد معنيين لا ثالث لهما إما أن الأصحاب ماتوا أو أنهم ذهبوا إلى حال سبيلهم ولكن المعنى الأقرب إلى الصواب هنا أن الأخلاء ماتوا نظرا لاقترانها هنا بسياق الحديث عن وفاة بوجميع وهي الوفاة التي تركت باطما في مهمة لا يحسد عليها ألا وهي استمرارية ناس الغيوان فلا يمكن لهذه التجربة أن تقبر بموت أصحابها.
وما أن تمكنت المجموعة من تخطي هذه العقبة وأصبحت تنتج أغاني جديدة صادقة ومعبرة حتى إلتف جمهور غفير حولها. واحتضنتها أقلام بارزة وهكذا إذن رست المجموعة على السكة لكن الأجل مرة أخرى يحرمها من خدمات ربانها الثاني العربي باطما يوم 7 فبراير 1997 . أهذا هو قدر ناس الغيوان ما أن يبرز اسم حتى تخطفه المنية ؟.. باطما سطع نجمه بقوة في سماء الفن بعد وفاة بوجميع فأصبح عراب المجموعة بدون منازع فهو الذي يكتب جل الأغاني وللإشارة فهو يكتبها ملحنة[84].
.. في الموعد كانت ناس الغيوان لتهدي باقة ورد إلى أحد أبناءها فاختارت "حوض النعناع" عنوانا لأحد أغانيها، حوض تفوح منه رائحة الحب والإيثار والجد، رائحة رفيق لن يمحو الزمان صورته ولن تفارق أفراد الغيوان ذكرياته :


القلب مسول عليك ايا رايـح بلا وداع


خليك معانا خليـك ف قلبنا حبك صراع


محال نعيشو بلا بيك محال حبك يتبــاع


أنت ايمانا ف الحب اوراقنا مسقية بعينيك


أنت بيتنا ف القلب ساكنو يغير عليك[85](1)

إذن من خلال هذه الأبيات تتضح صورة باطما الإنسان وباطما الفنان المبدع ومدى تعلق ناس الغيوان بأحد أقطابها البارزين.
وإذا كانت المجموعة قد أهدت لكل واحد أغنية فإنها تارة أخرى أهدت أغنية واحدة جمعت فيها قيمة بوجميع وإنسانية باطما وقدمت كعنوان للأغنية "ما يدوم حال" كإشارة منها إلى النهاية المحتومة التي تنتظر كل واحد :

يا حباب الغيــــــوان واحد منا صد البــــارح


يا حباب الغيــــــوان زين القامة صد اليـــــوم


ما يدوم حـــــــال كلشي غادي والدايم مولانــا


ما يدوم حـــــــال خيي كان عايش معانــــا


ما يدوم حـــــــال واليوم ف حماك يا العالي مولانا


خيي صد البــــــارح واه ما حر فراقـــــــه


صاكو ريح خبيـــــت حاز عمـــــــره وداه


محال واش ننســـــاك يا مجدوب الغيــــــوان

يا قنديل الغيــوان
يا مجدوب الغيوان[86]
ومهما يكن من أمر فإن تعويض بوجميع أو باطما أمر صعب وصعب جدا إن لم نقل مستحيل يقول عمر السيد :"يصعب رد أمجاد ناس الغيوان وتعويض روادها"[87] ، وهكذا وبصريح العبارة
تدنت شيئا ما قيمة ناس الغيوان بعد وفاة كل من بوجميع وباطما، إذ أصبحت تجتر احيانا أغاني الماضي الزاخر، التي انتجتها رفقة هؤلاء. وبوفاتهم كان لزاما إستقدام عضوين آخرين ليخلفا الراحلين فجاء إلى المجموعة رشيد وحميد باطما حيث تمنى الكل من هذا الانضمام أن يرث الاثنين شيئا من تلك اللكنة والبحة التي خص بها أخوهم العربي أو ذلك الصوت الحزين الشجي الذي وجد فيه العديد متنفسا ينسيه أحزانه ومشاكله ولو للحظة لكن شتان بين التبر والتراب !!
وفي هذا الصدد يقول الشاعر ياسين عدنان "… إلى جانبكما - أي عمر السيد وعلال - شابان من عائلة باطما حميد ورشيد اللذان لا تكفي قرابتهما مع المرحوم العربي ليحلا محله هو وباكو وبوجميع" ويضيف أيضا "… الأخوان باطما كانا بعيدين عن الحالة الغيوانية التي تنتج ذلك الشجى لذلك لم يترددا في ترجمة الهمهمات الآسرة إلى كلام بسيط ذي معنى تافه لا يليق بالغيوان فاستحالت (( دن دن وادنا)) إلى (( واش درنا شي مادرنا)) وهكذا تصبح كلماتهما التي تفتقر بمعناها المتبدل شحنة الغموض الفاتنة التي تحبل بها همهمات الغيوان … [88]


خاتمة :
هاهي نهاية البداية انتهت، ولكن بداية هذه البداية من دون شك لم تنتهي بعد. فلا تعني هذه الخاتمة نهاية أشكال البحث ولا تعني إغلاق مسار متابعة التنقيب في هذا الموضوع، لأن عملا من هذا القبيل لا يستطيع إدعاء الكمال وبلوغ الغاية. فقد يعتبر هذا العمل المتواضع قد ساهم قدر المستطاع في إماطة اللثام عن بعض التأويلات التي حاطت بمجموعة ناس الغيوان وفي الآن نفسه فتح الباب للإعلان أن هذه المجموعة تستحق أكثر من دراسة. فمهما تكن التحليلات والتأويلات لنصوص الغيوان فإن أغاني هذه المجموعة تضل خارج التأويل. وإسقاطها ممكن على أية جماعة في أي زمان ومكان … ومهما تكن الأحكام التي قيلت في حق ناس الغيوان والتي جانبنا ذكرها في ثنايا هذا البحث إيمانا منا في موضوعية شفافة ونزيهة فإننا وجدنا أنفسنا في نهاية المطاف أمام حكم تناولته جل إن لم نقل أغلب المصادر التي اعتمدناها في هذه الدراسة. هكذا إذن نقول وبدون تحفظ : ناس الغيوان … ظاهرة، ثورة، شرارة ،تمييز، متعة، تجربة، تراث … مبادرة تستحق التنويه … بل أكثر من ذلك التمثل الجيد لهذه التجربة الفريدة وهو ما تصفق له الأيادي خصوصا إذا علمنا أن معهدا خاصا في الدار البيضاء وعى أهمية هذا النتاج الغيواني فأدرج مادة تعليمية قصد تدريسها بالمعهد أطلق عليها الظاهرة الغيوانية … هذا من جهة، ومن جهة أخرى كيف لنا أن لا نقول في حقها هذه الأحكام، وهي قد نالت إعجاب وتقدير عمالقة الفن العالمي مثل بوب مارلي، بيتر كابريال، جيمي هاندريكس، والكاتب الإسباني الشهير المختص في التراث العربي الأندلسي خوان غوتيصلو، الذي أنجز فيلما وثائقيا من المجموعة وأذيع في إسبانيا، ألمانيا وأمريكا اللاثنية …
من الصواب والاعتذال أن نعترف أننا لم نجد الأرض مفروشة والطريق معبدة وسهلة لاستجماع ما يمكن من المعلومات عن مجموعة ناس الغيوان … فطبيعي أن تواجهنا صعوبات، أحيانا تجاوزناها بسهولة وأحيانا أخرى استعصى القفز عليها حتى راودتنا هواجس التراجع عن هذا الموضوع لكن العزيمة والإرادة أزاحت كل الأشواك ولعل أهم مشكل صادفناه هو قلة المراجع التي تناولت هذه الظاهرة، فبعضها موجود عند أفراد بعينهم، وللوصول إليها لابد من وساطات ومجاملات … فماذا عساك تفعل … ؟؟ فكل ما كتب وقيل عن ناس الغيوان لا يتعدى مقالات في بعض الجرائد الوطنية التي سجلت أهم لحظات نشأة وتطور هذه التجربة وبعض الكتب الأخرى الناذرة دون نسيان بعض الأشرطة السمعية البصرية التي توثف لمراحل من حياة الغيوان كذا بعض الأقراص المدمجة الأخرى. هذا من جهة، ومن جهة أخرى فالبحث عن المعلومة والتدقيق في صحتها ومدى صوابها تطلب من الحل والترحال إلى مسقط رأس المجموعة والجلوس إلى بعض رؤوسها وإن كان الموت قد غيب أفرادا آخرين من المفترض أن بقاؤهم يعتبر فانوسا لأضاءة بعض الآفاق المظلمة …
وعود على بدء… هذا البحث يعتبر فقط نفضا للغبار وجسا لنبض قصد إذكاء حماس دراسات أخرى أكثر عمقا وثراءا للمعرفة بخصوص هذه التجربة التي لا يمكن بأي حال من الأحوال إعلان نقطة نهايتها … فقط يحق لنا - نحن الجمهور - أن نطالب بدراسة أو مقاربة موضوعية لا تستند لأية خلفيات لأنه إن كانت كذلك فتلك عملية اغتيال مجانية لذاكرة جيل أقل ما يمكن أن يقال عنها أنها ملك لكل الناس، ببساطة ناس الغيوان غنوا لهذا الإنسان في كل زمان ومكان … غنوا لآماله وآلامه …


[1]: حسن نجمي، مقدمة كتاب "كلام الغيوان" ص12 / ط 4 / 2004 منشورات اتحاد كتاب المغرب .

[2]: العربي باطما، الرحيل ص 82، ط4 / 2005، منشورات دار توبقال.

[3]أحمد عيدون، أوراق عن الموسيقى المغربية، جريدة "الصحراء المغربية" تاريخ 19/06/1999 .

[4]حسن نجمي. مقدمة كتاب "كلام الغيوان" ص6 ط4 / 2004 منشورات اتحاد كتاب المغرب.

[5]: العربي باطما، الرحيل ص104 ط4 / 2005 .


[6]: نفسه ص104 /105 .

[7]: إبراهيم ايت حو، إضاءات … حول الأغنية المغربية، سلسلة شراع ع2 / 1999 .

[8]: جريدة الاتحاد الاشتراكي، دجنبر 2000 .


[9]: جريدة الاتحاد الاشتراكي، يوم 27 اكتوبر 1991 .

[10]: العربي باطما، الرحيل ص 117/118 ط4 / 2005 .

[11]: جريدة البيضاوي عدد 137، يوم 09/02/2005 .

[12]: "كلام الغيوان"، ص10/11 ط4 / 2001 منشورات اتحاد كتاب المغرب.

[13]: جريدة الاتحاد الاشتراكي دجنبر/يناير 2000 /2001 .

[14]: العربي باطما، الرحيل ص 112 ص4 / 2005 منشورات دار توبقال .

[15]: نفسه ص 113 .

[16]: جريدة الاتحاد الاشتراكي، عدد 7102 يوم الأحد 19 يناير 2003 .


[17]: أوراق عن الموسيقى المغربية، ظاهرة ناس الغيوان، جريدة الصحراء المغربية 19 /06 / 1999 .

[18]: الرحيل، العربي باطما، ص 115، ط4 / 2005 .

[19]الرحيل، العربي باطما، ص 116 / ط4 / 2005 .

[20]: نفسه ص 116 .


[21]: مبارك حنون، الأغنية الشعبية الجديدة، ظاهرة ناس الغيوان، ط الأولى، 1987 .

[22]: مقدمة ديوان "كلام الغيوان" ص 4 / 2004 .


[23]: نفسه ص 79 .

[24]: مقدمة كتاب "كلام الغيوان" ص11 /ط4 / 2004 .

[25]: كتاب "ناس الغيوان" ص42 /ط4 / 2004 .

[26]: نفسه ص42 .


[27]: نفسه ص 127 .

[28]: كتاب "كلام الغيوان" ص140 / ط4 / 2004 .


[29]: كتاب "كلام الغيوان"، ص 62 .


[30]: نفسه ص65 .

[31]: شبكة Islam on line الإلكترونية، تاريخ 15 ماي 2005 .

[32]: كتاب "كلام الغيوان" ص 105 .

[33]: كتاب "كلام الغيوان"، ص 105 .


[34]: نفسه، ص 46


[35]: نفسه، ص 37 .

[36]: كتاب كلام الغيوان، ص 31 .


[37]: نفسه ص 137 .

[38]: كتاب "ناس الغيوان" ص 53 .


[39]: كتاب "كلام الغيوان" ص 97 .

[40]: كتاب "كلام الغيوان" ص 123 .

[41]:كتاب "كلام الغيوان" ص 121 .

[42]: نفسه ص 62 .

[43]: كتاب "كلام الغيوان" ص 126 .

[44]: نفسه ص 126 .

[45]: نفسه ص 126 .
[46]: كتاب "كلام الغيوان" ص 125 .

[47]: إضاءات… حول الأغنية المغربية، إبراهيم ايت حمو، سلسلة "شراع"، ع 2، سنة 1999 .

[48]: كتاب "كلام الغيوان" ص 154 .

[49]: كتاب "كلام الغيوان" ص 118 .

[50]: كتاب "كلام الغيوان" ص 118 .

[51]: كتاب "كلام الغيوان" ص 109 .

[52]: نفسه 77 .

[53]: كتاب "كلام الغيوان" ص 77 .

[54]: كتاب "كلام الغيوان" ص 95 .

[55]: نفسه ص31 .

[56]: نفسه ص 82 .

[57]: كتاب "ناس الغيوان" ص 81 .

[58] : نفسه ص 116 .

[59]: كتاب "كلام الغيوان" ص 109 .

[60]: ناس الغيوان … صدى سنوات الجمر المغربية : شبكة إسلام اون لاين 15 ماي 2005 .

[61]: كتاب "كلام الغيوان" ص 39 .

[62]: كتاب "كلام الغيوان" ص 155 .

[63]: كتاب "كلام الغيوان" ص 147 .

[64]: كتاب "كلام الغيوان" ص 72 .

[65]: نفسه ص 84 .

[66]: نفسه 37 .

[67]: نفسه 37 .

[68]: كتاب "كلام الغيوان" ص 37 .

[69]: خالد الخضري، جريدة العلم، مارس 2001 .

[70]: كتاب "كلام الغيوان" ص 48 .

[71]: نفسه ص 98 .

[72]: نفسه ص 109 .

[73]: جريدة الاتحاد الاسبوعي، عدد 75، تاريخ 24/30 اكتوبر 2003 .

[74]: كتاب "كلام الغيوان" ص 37 .

[75]: نفسه ص 107 .

[76]: نفسه ص 100 .

[77]: كتاب "كلام الغيوان" ص 33 .

[78]: نفسه ص 98 .

[79]: جريدة الاتحاد الاشتراكي، دجنبر/يناير 2000/2001 .

[80]: جريدة الاتحاد الاشتراكي، 26 يوليوز 2001 ، العدد 6559 .

[81]: كتاب "كلام الغيوان" ص 56 .

[82]: كتاب "كلام الغيوان" ص 56 .

[83]: نفسه ص 56 .

[84]: جريدة الاتحاد الاشتراكي دجنبر / يناير 2000 / 2001 .

[85]: كتاب "كلام الغيوان" ص 142 .

[86]: كتاب "كلام الغيوان" ص128 .

[87]: جريدة الأحداث المغربية، يوم 9 يناير 2005 .

[88]: جريدة الصحراء المغربية، عدد 5895 ، يوم 30 يناير 2005 .

Admin
Admin

المساهمات : 24
تاريخ التسجيل : 21/02/2012

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://starziko.marocs.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى